البحر الأحمر وشرق اليمن وعودة الخطوط الحمراء العربية (ترجمة خاصة)
- ترجمة خاصة الأحد, 11 يناير, 2026 - 07:34 مساءً
البحر الأحمر وشرق اليمن وعودة الخطوط الحمراء العربية (ترجمة خاصة)

[ عاد البحر الأحمر للواجهة من جديد ]

الشرق الأوسط يدخل في انقسام أكثر هدوءا لكنه أكثر تأثيرا، هذه ليست دراما الحشود في الساحات العامة أو القادة الذين يسقطون بين ليلة وضحاها. إنه الانقسام الاستراتيجي البطيء للدول والسواحل والثقة، مدفوعا بألعاب القوة المحسوبة على أهم الشرايين البحرية في العالم. التحركات الأخيرة في اليمن، وقرن أفريقيا، والبحر الأحمر تشير ليس إلى الفوضى بل إلى التصميم. لقد أجبروا مركز ثقل العالم العربي، وخاصة الرياض، على مواجهة متأخرة.

 

الخطر هناك امتداد مائي بالكاد يبلغ عرضه 30 كيلومترا في أضيق نقطة: باب المندب، ومن خلال هذه النقطة تتدفق حوالي 12 في المائة من التجارة العالمية وما يقارب 20 مليون برميل نفط يوميا، تربط آسيا وأوروبا والبحر الأبيض المتوسط. أي اضطراب يتفاعل فورا في أسواق التأمين، وأسعار الطاقة، وسلاسل التوريد، وهو أمر يفهمه الأستراليون بشكل عميق بعد سنوات من الصدمة في منطقة الهندو-باسيفيك. أصبح السيطرة على هذا الممر عملة نفوذ، على مدى العقد الماضي، سعت الإمارات العربية المتحدة وإسرائيل لتحقيق ذلك بتنسيق متزايد، مستفيدين من الموانئ والوكلاء والاعتراف السياسي لتأمين موطئ قدم على شاطئي البحر الأحمر.

 

وجاء الإشارة الأكثر صدمة في ديسمبر 2025، عندما أصبحت إسرائيل أول دولة تعترف رسميا بأرض الصومال، وهي منطقة منفصلة عن الصومال، وقد صدمت هذه الخطوة عواصم أفريقيا والدول العربية على حد سواء، أدان الاتحاد الأفريقي ذلك باعتباره انتهاكا لوحدة الأراضي. حذرت مصر وجيبوتي من زعزعة الاستقرار. أصدرت السعودية بيانا صريحا بشكل غير معتاد، وصفت فيه أي موطئ قدم عسكري أجنبي في القرن الأفريقي بأنه تهديد مباشر للأمن البحري والقانون الدولي. لم يكن هذا مسرحا دبلوماسيا. كان إنذارا.

 

لم يكن الاعتراف بأرض الصومال لفتة معزولة، بل تتماشى مع نمط أوسع من تفكك الدول الهشة لتأمين الموانئ والجزر والممرات اللوجستية، قضت الإمارات سنوات في تنمية شركاء مسلحين عبر جنوب اليمن، وسواحل السودان، وجزر البحر الأحمر الرئيسية مثل سقطرى، وفي السودان، ربطت تقارير أمريكية وبلاغات استقصائية دعم الإمارات بقوات الدعم السريع، وهي ميليشيا تخضع الآن لعقوبات من وزارة الخزانة الأمريكية، ويزعم أن ذلك مقابل الوصول والنفوذ على طول البحر الأحمر. تنفي أبوظبي هذه التهم، لكن المنطق الاستراتيجي واضح: الموانئ والقرب يساويان النفوذ.

 

أصبح اليمن نقطة اشتعال حيث اصطدمت هذه الاستراتيجية مباشرة بالخطوط الحمراء السعودية، وفي أواخر عام 2025، أطلق المجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات تقدما سريعا في حضرموت والمهرة، وهما محافظتين تشكلان ما يقرب من نصف أراضي اليمن وتقعان مباشرة على الجناح الشرقي للسعودية.

 

هذه المناطق ليست هامشية، وتدعم هذه الخطط طموحات الرياض التي طالما نوقشت في خطوط الأنابيب لتجاوز مضيق هرمز، وهو سياسة تأمين استراتيجية لأكبر مصدر نفط في العالم، عندما اجتاحت قوات المؤتمر المكلة والمناطق المحيطة بها، فسرت السعودية الأمر ليس كنزاع داخلي يمني، بل كتهديد وجودي.

 

كان الرد سريعا وحاسما، تراجعت القوات المدعومة من السعودية عن التقدم خلال أيام، واستهدفت الغارات الجوية مواقع الانفصاليين، وتم استطلاع شحنة أسلحة مشتبه بها من الإمارات في ميناء المكلا، وخلال ساعات، أعلنت أبوظبي انسحاب مستشاريها العسكريين المتبقين من اليمن، وكانت الرمزية واضحة جدا: فقد انتهى عصر العمل الحر الإماراتي على الحدود السعودية، لخص معهد الدوحة الأمر باختصار، ورغم سنوات النفوذ الإماراتي عبر شركاء محليين، لا تزال السعودية الفاعل الخارجي الحاسم في اليمن.

 

هذا الانقطاع قلب الافتراضات حول وحدة الخليج، والشراكة السعودية الإماراتية، التي كانت تسوق سابقا كمحور إقليمي قوي، أصبحت الآن متوترة بشكل علني، تم التستر على تصورات التهديدات المتباينة مثل الرياض التي تضع الأولوية لسلامة الأراضي، وسعي أبوظبي لتحقيق النفوذ البحري لسنوات تحت شعار حرب التحالف، واليمن كشف ذلك الوهم، ما ظهر بدلا من ذلك هو صراع حول القيادة والشرعية وقواعد النظام الإقليمي.

 

تمتد التداعيات إلى ما هو أبعد من الخليج، وتعتمد أوروبا وآسيا على الشحن المستمر للبحر الأحمر، حذر معهد الاتحاد الأوروبي لدراسات الأمن من أن الحكم المجزأ والوجود العسكري المتنافس في غرب المحيط الهندي يتآكل بالفعل الاستقرار البحري، وتستضيف جيبوتي قواعد أمريكية وصينية وفرنسية ويابانية على بعد كيلومترات من بعضها البعض، أضف إلى الصومال العسكرية واليمن المنقسم، فإن خطر سوء التقدير يتضاعف. ترتفع أقساط التأمين. أسواق الطاقة تهتز. الدول الهشة تصبح مسرحا لتصعيد بالوكالة.

 

هناك أيضا بعد أخلاقي لا يمكن تجاهله، فالتجزئة تولد التطرف، ليبيا وسوريا قصص تحذيرية حيث أدى انهيار السلطة المركزية إلى خلق فراغات ملأتها الجماعات المسلحة والمتطرفون العابرون للحدود، حذرت اللجنة الدولية للصليب الأحمر مرارا من أن الالتزام الانتقائي بالقانون الإنساني يتآكل، خاصة المعايير التي تحمي المدنيين، وغزة تلوح فوق هذا النقاش كحساب أخلاقي، والغضب الشعبي في العالم العربي لا مدفوع فقط بالجغرافيا السياسية، بل بالتصور بأن السلطة الآن تتفوق على المبادئ دون محاسبة.

 

يبدو أن السعودية أصبحت أكثر وعيا بهذا العجز في الشرعية، رفضها الاعتراف بأرض الصومال يتماشى مع معايير الاتحاد الأفريقي، وتدخلها السريع في جنوب اليمن لم يصور نفسه كغزو، بل كوسيلة لمنع التفكك، وإصرارها العلني على أن أي تطبيع مستقبلي مع إسرائيل يجب أن يحقق نتائج فلسطينية ملموسة يعكس فهما بأن الإيماءات الرمزية لم تعد كافية، ولم تكن المناشدة الإنسانية السعودية بقيمة 700 مليون ريال لغزة في أواخر 2023 مجرد صدقة؛ بل كانت تأكيدا على القيادة الأخلاقية.

 

يقدم التاريخ تشابها واضحا، معاهدة الحديبية، التي وقعها النبي محمد بشروط تبدو غير مواتية، اشترت وقتا وشرعية وفي النهاية ميزة استراتيجية، وكان ذلك كبح صنع كفن دولة، وبمصطلحات حديثة، تشبه القوة الناعمة القدرة على الجذب والإقناع، بدلا من الإكراه، وبالنسبة لبلد يستضيف أقدس المواقع الإسلامية، فإن السلطة الأخلاقية ليست إكسافا. إنها رأس مال استراتيجي.

 

هذه الديناميكيات مهمة تتجاوز أي عاصمة واحدة بكثير، ومن الشمال العالمي إلى الجنوب العالمي، البحر الأحمر ليس مصدر قلق إقليمي بل شريان عالمي: سلاسل توريد أوروبا، وشريان الحياة الصناعي في آسيا، واقتصادات السواحل في أفريقيا، وأسواق الطاقة في أمريكا اللاتينية كلها تعتمد على استقراره، وعندما ترتفع أسعار الطاقة، ينتشر التضخم في الأسر من برلين إلى جاكرتا، ومن لاجوس إلى سانتياغو، وعندما ينحني القانون الدولي بالاعترافات الأحادية أو الحرب بالوكالة، لا تكون المعايير المجردة هي التي تتآكل بل التوقع المشترك بأن الحدود والطرق البحرية والسيادة ليست معروضة للمزاد.

 

في مثل هذه اللحظات، تتحمل التكلفة بشكل غير متساو ولكن بشكل شامل، من قبل القوى الوسطى التي تتنقل في ظل عدم اليقين، ومن الدول النامية التي تستبعد تأمين المخاطر، ومن قبل المواطنين في كل مكان الذين يكتشفون أن نقاط الاختناق البعيدة يمكن أن تحدد بهدوء الازدهار في الوطن.

 

تكشف رمال الشرق الأوسط المتغيرة حقيقة صارخة: السلطة بدون شرعية هشة، وقد يوفر التجزئة رافعة مالية قصيرة الأجل، لكنها تولد عدم استقرار طويل الأمد لا يمكن لأي ميناء أو خط أنابيب تعويضه، ويشير رد السعودية في اليمن إلى إعادة تأكيد سيادة الدولة كقاعدة إقليمية، ما إذا كان هذا سيتطور إلى قيادة أوسع وقائمة على القانون قيادة تجمع بين الأمن والعدالة يبقى السؤال الحاسم.

 

ما هو واضح هو أن عصر الاستسلام الهادئ قد انتهى، والثقة قد انكسرت، وتم رسم خطوط حمراء، وعلى طول مياه باب المندب الضيقة، يتم التفاوض على مستقبل النظام الإقليمي ليس بالشعارات، بل بالاستراتيجية وضبط النفس وثقل العواقب.

 

*كتب المادة: كورنياوان عارف ماسبول.

 

*المصدر: موقع ميدل إيست مونيتور.

 

*يمكن الرجوع للمادة الأصل هنا


التعليقات