[ استعرض الزرقة محطات في مسيرة قناة بلقيس ]
ليس من السهل أن تقول عن مؤسسةٍ إعلامية إنها "حلمٌ اكتمل"، فالمؤسسات، بطبيعتها، مشاريع ناقصة دائمًا: تتقدم، تتعثر، تعيد تعريف نفسها، وتقاوم التآكل اليومي الذي يصيب المعنى قبل الميزانيات، ومع ذلك، هناك لحظات نادرة يصبح فيها وصف “الحلم المكتمل” توصيفًا دقيقًا، لا مجازًا للاستهلاك. حين تتحول الفكرة من رغبةٍ داخلية إلى أثرٍ عام، ومن نبرةٍ شخصية إلى معيارٍ مهني، ومن احتمالٍ هشّ إلى تقليدٍ ثابت يثق به الناس.
بلقيس وُلدت من فجوةٍ بين اليمني وبين صورته في الإعلام. بين بلدٍ يعاني تعقيدًا هائلًا وبين سردياتٍ تختصره في عنوانٍ واحد، أو في “طرفين” لا ثالث لهما، أو في معركةٍ تُعرض بلا سياق وبلا بشر. كانت الحاجة إلى "بلقيس"، في جوهرها، حاجة إلى عدسةٍ تعيد اليمن إلى حجمه الطبيعي: بلدٌ كامل، بتاريخٍ طويل، وناسٍ ليسوا ملحقًا بالأحداث بل أصلها.
نشأت "بلقيس" من حاجة واضحة: أن يكون لليمن صوتٌ مهني لا يتقلب مع موازين القوة، وأن تُروى القصة اليمنية من داخلها، لا من هوامش الآخرين.
لم نرد قناة “تسرد” فقط، بل قناة تفهم أن الخبر بلا سياق يُضلّل، وأن السياسة بلا إلتزام إنساني تتحول إلى ضجيج.
كان الهدف أن تُقدَّم اليمن بتعقيدها الإنساني والاجتماعي والسياسي، وأن تُعامل كبلدٍ كامل لا كعنوانٍ عابر في نشرات الحرب.
في بيئة الاستقطاب، تصبح المهنية امتحانًا يوميًا، ليس فقط لأن الأطراف المتصارعة تريد من الإعلام أن يكون جزءً من معركتها، بل لأن الحرب تُغري اللغة بالتخفف من معناها: تسمّي الجريمة “خطأ”، وتسمّي الانتهاك “ضرورة”، وتحوّل الضحايا إلى أرقام. هنا تظهر قيمة أي مؤسسة أن تحمي معيارها، وأن تظل قادرة على قول الحقيقة بأسماء لا تُجمّل القسوة ولا تُزيّف الواقع.
توكل.. البصمة التي أعطت المشروع روحه
توكل كرمان كانت البصمة التي منحت "بلقيس" روحها ومساحتها الأولى. والأهم أنها تعاملت مع المشروع وفق مبدأٍ نادر في مؤسساتنا: الفصل بين الشخصي والعام. لم يكن ذلك ترفًا أخلاقيًا، بل شرطًا مهنيًا: أن تكون غرفة الأخبار صاحبة قرارها، وأن يبقى معيار النشر أقوى من رغبة المالك، وأقوى من ضغط الاصطفاف. في لحظاتٍ كثيرة كان هذا المبدأ هو ما يحمي القناة من أن تتحول إلى امتدادٍ لشخص، أو إلى منصةٍ تسكنها زاوية واحدة.
كانت "بلقيس" بالنسبة لتوكل التزامًا أخلاقيًا قبل أن تكون خيارًا سياسيًا؛ التزامًا بألا يغيب صوت شريحة واسعة من اليمنيين في زمنٍ تُستباح فيه الحقيقة، وتُختطف فيه البلاد بين أجندات أمراء الحرب وامتداداتهم. كانت ترى أن اليمن ليس غنيمة تُوزَّع، ولا ملفًا يُدار من الخارج، بل وطنٌ يتسع للجميع، وأن الإعلام المستقل أحد خطوط الدفاع الأساسية عن هذا المعنى. لذلك دعمت القناة ورعتها بوضوح، لكنها كانت حريصة على ألا يتحول الدعم إلى وصاية أو ضغطٍ على غرفة الأخبار.
والإنصاف هنا واجب. كثيرون يتحدثون عن حرية الإعلام بوصفها شعارًا، لكن القليل من المالكين يتصرفون على أساس أن الحرية هي التزام بمعايير المهنة وأخلاقياتها.
توكل كانت تدرك أن دعم المؤسسة يعني أيضًا حماية استقلالها. كانت ترسل رسائل ثقة، وحين نطرح أفكارًا للتوسع أو للنمو كانت تتعامل معها بوصفها استثمارًا في الرسالة لا عبئًا إضافيًا. وفي لحظاتٍ قد لا تتفق فيها مع بعض خيارات التغطية، كانت تختار طريقًا أصعب: أن تترك لنا مساحة الحركة واسعة، وأن تعطي للمهنة حقها في أن تُخطئ وتصيب دون عقاب، وأن تختلف دون خصومة. بهذه الروح، صارت "بلقيس" مؤسسة لا مزاجًا، ومشروعًا لا رد فعل.
البدايات.. حين بدأ كل شيء تحت ضغط الوقت
أتذكر البدايات الأولى عندما حدثتني توكل كرمان عن رغبتها في إطلاق قناةٍ فضائية وأن أتولى إدارتها. لم أكن متيقنًا حينها أن الطريق سيكون طويلًا وشاقًا إلى هذا الحد. جهزت مسودة المشروع وقدمتها لها فوافقت، ثم اقترحت عقد لقاء مع مجلس إدارة اختارته بعناية. كانت أديس أبابا وجهتنا، لأن الأحداث في اليمن كانت تتسارع، وكانت مليشيا الحوثي تُعدّ لاقتحام صنعاء. خلال 3 أيام من الاجتماعات المتواصلة صغنا الخطوط العريضة: مسار القناة، الهيكل التنظيمي، والخط التحريري.
بعد أقل من شهر كان مكتب القناة في صنعاء جاهزًا. كُلّف الصديق عبد الله الحرازي بإدارة المكتب، وبدأنا اختيار الصحافيين والمحررين والمذيعين، وعقدنا ورشات عمل للدفعة الأولى. وأشهد هنا أن توكل ومجلس الإدارة منحوني صلاحيات كاملة في اختيار الفريق وفق معايير مهنية: استقبال طلبات التوظيف، إجراء مقابلات نظرية وعملية، والاختيار على أساس الكفاءة والرغبة والاستعداد. لم تكن هناك معايير سياسية أو جهوية حاكمة؛ لذلك جاء التنوع السياسي والجغرافي نتيجة طبيعية، وهو ما منح بلقيس طابعها المهني وشعورها بأنها تعبر عن اليمن ككل.
في الوقت نفسه، كلف مجلس الإدارة الأخت العزيزة هناء صالح بتجهيز مكتب إسطنبول. كانت مهمة صعبة، لكنها أنجزتها بسرعة وكفاءة. ومع تسارع الأحداث كنا نسابق الزمن. ورغم دخول الحوثيين صنعاء لم تتوقف التجهيزات: بدأنا العمل الميداني، إعداد المواد والتقارير، تصوير ما أمكن، وتوثيق الحياة في المدن والأسواق وتفاصيل اليوميات، قبل أن تتبدل ملامحها تحت وطأة الانقلاب والحرب.
ثم وقع ما كنا نخشاه: اقتُحم مكتب القناة في صنعاء، وكان من أوائل المكاتب الإعلامية التي تعرضت للاقتحام والنهب. عندها اتخذت توكل القرار الأصعب: الانتقال إلى إسطنبول، وتأمين نقل الطاقم، والبدء بالبث من هناك بأسرع وقت. تم ذلك عبر مراحل، لكن المعنى كان واحدًا: استمرار العمل رغم تغيّر الظروف، وعدم السماح للإغلاق القسري بأن ينهي الفكرة.
الفريق.. قلب التجربة ومعناها
بعد التأسيس، لم تكن المعركة الأساسية هي “الظهور”، بل “الاستمرار” بمعايير ثابتة. وهنا يظهر أثر الفريق. الكادر الصحافي المهني الشاب استطاع، خلال عقد كامل، أن يضع القناة في صدارة المشهد، وأن يقدم رسالة تليق باليمن رغم المخاطر في الميدان، وسط بيئة تجاذب سياسي وإعلامي قاسية. هؤلاء لم يكونوا مجرد منفذين، بل شركاء في إنتاج المعنى: يلتقطون التفاصيل من الواقع، ويحوّلونها إلى مادة قابلة للتحقق، إنسانية، ومسؤولة.
وفي هذا السياق لا يمكن تجاوز خسائرنا البشرية. نستذكر زملاءنا الذين فقدناهم: عبد الله قابل، وعبد الله القادري، ومحمد القدسي، وأديب الجناني. نذكرهم بوصفهم جزءًا من ذاكرة المهنة، ومن تاريخ القناة. ونذكر أيضًا زملاءنا الذين استمروا في العمل رغم المضايقات والمشاق، وواصلوا التغطية حيثما أمكن، وأثبتوا أن الصحافة في اليمن ليست وظيفة، بل مسؤولية.
خلفهم كانت فرق ميدانية كبيرة أنتجت برامج سياسية وإنسانية واجتماعية ووثائقية، وسعت إلى توثيق الانتهاكات مع مراعاة كرامة الأشخاص وخصوصياتهم. وعملوا، بحسب ما توفر من إمكانات وظروف، في عدن وتعز وحضرموت وصنعاء وشبوة ومأرب والمهرة وسقطرى ولحج والجوف وأبين، محققين حضورًا مهنيًا واسعًا، وخارطة برامجية متعددة تعكس اليمن كما هو: مجتمعًا، لا مجرد جبهة.
عقدٌ من العمل.. ومعيار لا يتبدل بسهولة
على امتداد عشر سنوات، حاولت بلقيس إعادة تعريف ما يمكن أن تكونه قناة يمنية سياسية–إخبارية في زمن حرب: نافذة خبرية، ومنصة توثيق، ومساحة لطرح الأسئلة التي يتجنبها كثيرون. تحولت القناة إلى مصدر خبر مهم داخل اليمن وخارجه، لأنها اختارت خطًا تحريريًا يرفض تنميق المسميات، ويسمي الوقائع كما هي، وفق توصيف يمني، بعيدًا عن الاصطفافات الجاهزة.
وخلال هذه السنوات تغيرت الوجوه وتبدلت المواقف وتفرق الحلفاء. ومع ذلك ظل جوهر خطاب بلقيس ثابتًا: الانحياز لحق الناس في المعرفة، واحترام عقل الجمهور، وعدم التعامل مع اليمنيين كملحقٍ في قصةٍ يكتبها الآخرون.
وعندما تشتد الحرب وتتوسع المصالح، تُختبر المعايير. ولهذا كانت هناك محطات لا يمكن المرور عليها دون توضيح موقف القناة. منذ تدخل التحالف الذي قادته السعودية والإمارات، التزمت بلقيس بخط تحريري يضع الإنسان وحقوقه في المركز، ويعامل كل طرف بوصفه قابلًا للمساءلة، لا بوصفه فوق النقد. لم تكن الفكرة مساواة شكلية بين الجميع، بل ضمان أن حق الضحية في التوثيق لا يتغير بتغير الجهة المسؤولة.
منذ الغارات الأولى في 26 مارس 2015، وما رافقها من سقوط مدنيين في صنعاء، كان موقفنا واضحًا في تغطية استهداف المدنيين والأعيان المدنية بوصفه انتهاكًا جسيمًا لا تبرره اللغة السياسية. في التغطية الخبرية والبرامجية حرصنا على تسمية ما يحدث، والتحقق قدر الإمكان، ورفض تحويل خسائر المدنيين إلى تفصيل عابر.
وفي السياق نفسه، كشفت القناة منذ اليوم الذي تواجدت فيه القوات الإماراتية داخل اليمن ملف السجون السرية والاعتقالات خارج القانون، وما تضمنته مرحلة كاملة من الاغتيالات وتصفية الخصوم، في عدن ولحج وأبين وحضرموت. فتحنا هذه الملفات بوصفها قضايا حقوقية تتطلب الإسناد بالشهادات والوقائع، لا بوصفها مادة للخصومة. وقد دفعنا ثمن ذلك؛ أُغلق مكتبنا في عدن، وكان يعمل فيه أكثر من 40 من الصحافيين والفنيين والإداريين، كما مُنعت القناة وتعرض مراسلوها للملاحقة والمنع داخل عدن ومناطق النفوذ الإماراتي.
وفي المقابل، كان موقفنا واضحًا من تحالف الحوثيين وصالح، وما ارتُكب من جرائم بحق المدنيين: الاختطافات، تفخيخ المدن والطرق، تفجير المدارس والمساجد، والانتهاكات التي طالت المجال العام والخاص. وحرصنا على توثيق ذلك عبر نشراتنا وبرامجنا، وعبر مواد توثيقية حقوقية تراكم الأدلة والشواهد، واستمر هذا النهج حتى آخر نشرة من نشراتنا. كان الإنسان وحقوقه، ومبدأ عدم الإفلات من العقاب، هما البوصلة. وبدون ما وثقته "بلقيس" من شواهد، كان يمكن لعدد كبير من القصص أن يمر بلا توثيق.
بلقيس كفريق.. وبلقيس كبيت مهني
داخل المؤسسة، تعاقبت أسماء كثيرة في الإدارة والأقسام التحريرية والفنية والمالية. منتجون، محررون، معدون، مذيعون، مقدمون، فنيون، إداريون، مراسلون، ومصورون. كثيرون غادروا اليمن مجبرين للعمل من خارجها بعد أن ضاقت عليهم البلاد وعلى أحلامهم. ومع ذلك لم تغادرهم اليمن يومًا؛ ظلّت حاضرة في لغتهم وتفاصيل عملهم. نشأت في "بلقيس" علاقة أسرية بالمعنى المهني: شعور بالمسؤولية المشتركة، وتضامن في زمن هش، وإيمان بأن المؤسسات تبنى بتلاحم الأفراد.
كان هؤلاء هم من حملوا القناة على أكتافهم، وكبروا فيها وكبرت بهم. الفكرة التي ترسخت عند الجميع أن نجاح بلقيس لا يقوم على “نجم واحد”، بل على جماعة عمل تعرف ماذا تفعل ولماذا تفعل ذلك.
الإغلاق.. لحظة فقدٍ ووعي بما تحقق
ثم جاءت لحظة الإغلاق. كان قرار إغلاق القناة في نهاية نوفمبر 2025 شديد الوطأة علينا جميعًا. لم يكن مجرد توقف عن البث، بل فقدان لبيت مهني ولشعور بالاستقرار المؤقت في منفى طويل. رأيت دموع الزملاء، وهذه المرة لم تكن دموع فرح. حتى توكل كرمان، المعروفة بتماسكها وصلابتها، كانت تتحدث مع الجميع وهي تذرف الدموع محاولة مواساة الفريق. وفي مشهد إنساني نادر، كان كل طرف يحاول التخفيف عن الآخر.
يبقى السؤال الذي لا مهرب منه: هل هذه نهاية الطريق أم بداية جديدة؟ هل خسرنا الحلم أم تأجل؟ أسئلة كثيرة عن المستقبل والحاضر، عن البلاد والمنفى، عن الأسر داخل اليمن، وعن شعور الأمان الذي يختفي فجأة عندما يتوقف المشروع الذي كنت تعيش داخله وتبني عليه حياتك.
الإنصاف في لحظة الوداع
أكتب اليوم بعد استكمال دفع تعويضات نهاية الخدمة للزملاء العاملين في القناة: شاملةً مرتبات عام كامل لزملائنا في إسطنبول، ومرتبات 6 أشهر ومكافأة نهاية الخدمة للعاملين داخل اليمن. هذا سلوك يعكس مسلكًا حقوقيًا واضحًا لدى مجلس إدارة القناة ورئيسته السيدة توكل كرمان. لا أكتبه من باب المديح، وإن كانت تستحقه، بل من باب الإنصاف الذي يجب أن يُقال بوضوح.
وفي هذه اللحظة أودع إخوتي وأخواتي وأصدقائي الذين عملنا سويًا خلال السنوات الماضية. كانوا سر نجاح القناة، وسندًا حقيقيًا لي في مهامي الإدارية والصحافية. احتملوني كثيرًا، وتعلمت منهم الكثير. ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله. أتمنى لهم جميعًا التوفيق والنجاح أينما كانوا، وفي أي طريقٍ اختاروه بعد هذه المحطة.
ويبقى الشكر الأكبر لجمهور بلقيس. أشكر كل متابعي القناة على إيمانهم بنا كفريق، وعلى ثقتهم ببلقيس كقيمة مهنية وإنسانية. إن كانت القناة قد أُغلقت، فإن التجربة التي صنعتها لا تُمحى بسهولة: ذاكرة مشتركة، معيار مهني، ودليل على أن اليمني يستحق إعلامًا يحترمه ويصون كرامته.
بلقيس ليست مجرد تجربة بث تلفزيوني، إنها تجربة تقول إن الصحافة يجب أن تكون خدمة عامة، وإن المعايير يمكن أن تصمد رغم التقلبات، قد تتوقف مؤسسة، لكن أثرها يبقى ما دام الناس يتذكرون لماذا وُجدت، وكيف عملت، وماذا دفعت مقابل أن تحافظ على خطها.