القصة الحقيقية وراء الخلاف السعودي – الإماراتي
- علي الشهابي السبت, 21 فبراير, 2026 - 02:59 صباحاً
القصة الحقيقية وراء الخلاف السعودي – الإماراتي

[ تباينات عدة بين السعودية والإمارات ]

قدّم كثيرٌ من المعلّقين الغربيين، غير القادرين على مقاومة إغراء تقديم تفسيرٍ معقّد لمشكلةٍ بسيطة، قائمةً واسعة من النظريات لتفسير التوترات السعودية–الإماراتية الأخيرة. بعض هذه الأطروحات يصلح كقصةٍ مرتّبة. لكن معظمها لا يلامس جوهر المسألة.

 

إن التوتر بين الرياض وأبوظبي متجذّر ببساطة في اعتبارات الأمن الوطني. وبالتحديد، ينبع من سلوك الإمارات في اليمن والسودان، وهو سلوك بات مسؤولون سعوديون يرونه مُزعزعاً للاستقرار ويهدد المملكة بصورة مباشرة. قد ترفع المناوشات على الإنترنت وحروب السرديات حرارة الأجواء، لكنها أعراض. أما السبب فهو الأثر الاستراتيجي لسياسات تُمارَس في منطقتين صراعيتين تتحمل فيهما السعودية أعلى درجات التعرض للمخاطر.

 

ولهذا فإن كثيراً من الأطر التفسيرية المتداولة لهذا الخلاف تخطئ التشخيص. فقلق الرياض ليس مرتبطاً بمكان وضع شركة استشارات لمكتبها الإقليمي، ولا هو رغبة في “تقليص” دور الإمارات في السياسة الإقليمية. القضية هي ما إذا كان شريكٌ قريب يوسّع المخاطر الأمنية على أطراف السعودية، بينما لا يزال يستفيد من صورة وحدة الخليج ومظاهرها.

 

لنبدأ باليمن. دخلت السعودية والإمارات الصراع عام 2015 بهدف إعادة الحكومة المعترف بها دولياً ومنع اليمن من الانهيار إلى دولة ميليشياوية معادية على الحدود الجنوبية للمملكة. اليمن بالنسبة للرياض ليس ساحةً بعيدة. ففشل الدولة اليمنية يعني حدوداً رخوة، وانتشاراً للسلاح، وشبكاتٍ إجرامية، وفتحاتٍ دائمة لفاعلين معادين في محيط السعودية القريب.

 

ومع مرور الوقت تآكلت وحدة التحالف حول شكل “النهاية” المتوقعة للصراع. أعطت الرياض الأولوية لاستقرار اليمن تحت سلطةٍ مركزية واحدة معترف بها دولياً، قادرة على السيطرة على الأرض وتأمين الحدود. أما الإمارات، وعلى النقيض، فقد نسجت علاقاتٍ وثيقة مع قوى جنوبية قوية كانت أهدافها — في كثير من الأحيان — إضعاف سلطة تلك الحكومة وترسيخ واقع الانقسام.

 

وبالنسبة للسعودية، فهذا هو الفارق بين يمنٍ يستطيع أن يضبط أراضيه، وبين رقعةٍ من الميليشيات ذات الرعاة المتنافسين والولاءات المتبدلة؛ وهي منظومة تكافئ إبقاء الدولة ضعيفة. تستطيع السعودية التعايش مع اختلافاتٍ تكتيكية وتجارية مع الإمارات. لكنها لا تستطيع قبول شريكٍ يمكّن فاعلين محليين حوافزهم إبقاء اليمن مجزأً وضعيفاً وقابلاً للتفاوض بلا نهاية.

 

ويقدّم السودان، على الضفة المقابلة للبحر الأحمر، هاجساً موازياً. فالاضطراب هناك ينسحب على حوض البحر الأحمر والقرن الأفريقي، وهما منطقتان تعتبرهما السعودية جزءاً من عمقها الاستراتيجي. والسودان الممزق يهدد أمن الملاحة في أحد أهم الممرات البحرية في العالم، ويشدّ دول الجوار إلى دائرةٍ متسعة من الفوضى.

 

وقد زادت التطورات الميدانية من حدّة هذه المخاوف. فحملة قوات الدعم السريع (RSF) المتمردة، التي تُوّجت بسقوط الفاشر، رافقتها فظائع قالت عنها تقارير لمكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان إنها قد ترقى إلى جرائم حرب وربما جرائم ضد الإنسانية. ودعا التقرير الدول ذات التأثير إلى المساعدة في وقف نقل الأسلحة التي قد تمكّن من استمرار الانتهاكات. وجوهر المسألة هو ما إذا كان السودان سيعود دولةً قابلة للحياة أم سيُطبّع حكم الميليشيات، وحكم الميليشيات عدوى تنتقل.

 

وقد زعمت جماعات حقوقية وتقارير استقصائية أن دعماً خارجياً ساعد في استمرار قوات الدعم السريع، بما في ذلك اتهامات بدعم إماراتي تنفيه أبوظبي. كما نقلت وكالة رويترز ادعاءاتٍ بأن معسكراً تدريبياً سرياً في إثيوبيا أعدّ مقاتلي الدعم السريع، وأن الإمارات موّلت وساندت نشاطاً مرتبطاً بذلك الجهد. وقد رفضت أبوظبي تلك الاتهامات أيضاً. ولا يحتاج صانعو القرار في السعودية إلى اليقين بشأن كل ادعاء كي يروا الخطر الاستراتيجي: ميليشيا تُمدّ بما يكفي لتقاتل إلى ما لا نهاية ستبقي السودان مكسوراً، والسودان المكسور يزعزع استقرار محيط البحر الأحمر.

 

ومن منظور الرياض، فإن اليمن والسودان ليستا ساحاتٍ جانبية. إنهما خطوط تماس في مقاربةٍ سعودية تُفضّل تقوية الدول على تمكين الميليشيات، وبناء نظامٍ إقليمي على سياسة الوكلاء. والخلاف ليس أيديولوجياً. فما زالت السعودية والإمارات متوافقتين على أهدافٍ عامة كثيرة، منها مكافحة التطرف، والتحديث، والتنويع الاقتصادي، والعلاقات القوية مع الشركاء الغربيين. لكن النزاع يدور حول الأساليب، وحول ما إذا كانت الالتزامات في ساحات الأمن المشترك حقيقية وثابتة أم ظرفية ومتقلبة.

 

وهذا التمييز يغيّر التقدير للمآلات، فلو كان الخلاف أيديولوجياً أو اقتصادياً لكان مؤشراً على منافسةٍ بنيوية طويلة. أما إذا كان متجذراً في اليمن والسودان فهو قابل للحل، شرط أن تتعامل أبوظبي مع حساسية الأمن السعودي بجدية.

 

*نقلا عن موقع عرب نيوز السعودي.


التعليقات