حين خرجت نتائج «مؤتمر الحوار الوطنى الشامل لليمن» عام 2014 بمشروع دولة يمنية اتحادية من ستة أقاليم، جاء الرد بالرفض صادما من قوى سياسية وقبلية رأت فى اللامركزية نهاية لسطوة المركز، ورفعت الشعار المألوف: «هذا تقسيم للوطن!». ومن تلك العبارة المشحونة بالخوف، انطلقت الرصاصة الأولى فى حرب لا تزال أصداؤها تتردد فى الجبال والوديان، كأنها صدى خوف قديم من الاعتراف بالتنوع. وللتذكير – وربما لإعادة فتح نافذة للنقاش وسط هذا الاختناق السياسى – نعيد إلى الذاكرة أن لجنة تحديد الأقاليم جاءت منبثقة عن مؤتمر الحوار الوطنى، الذى حظى بإجماع وطنى ورعاية دولية، وبدأت أعماله فى 18 مارس 2013 فى صنعاء، واستمرت عشرة شهور حتى 25 يناير 2014، فى محاولة شجاعة لتضميد جراح بلدٍ خرج لتوه من عام كامل من الاحتجاجات والآلام.
و أقرت تلك اللجنة فى 10 فبراير 2014، مشروع تشكيل الدولة اليمنية بصيغة اتحادية من ستة أقاليم، بتوافق كامل واعتماد أسس علمية تراعى الجغرافيا والاقتصاد والنسيج الاجتماعي.
الأقاليم المقترحة كانت كلوحة جغرافية تعكس تنوع اليمن: إقليم آزال وإقليم سبأ. إقليم الجند. إقليم تهامة: و إقليم عدن. وإقليم حضرموت.
وقد احتفظ المقترح لصنعاء وعدن بوضع خاص، يليق بثقلهما السياسى والاقتصادى، كما تُحفظ المدائن الكبرى فى ذاكرة الأمم.
طُرح المشروع يومها ( ولا يزال مجرد مشروع)، باعتباره صيغة تراعى الترابط الجغرافى، والتقارب الاجتماعى، والقدرات الاقتصادية، ويقدم أساسا عمليا للخروج من مأزق التشظي. كان اليمن يبدو على عتبات انفراجة حقيقية، كنافذة تُفتح فجأة فى بيت ظل معتما طويلا. لكن تكتل الحوثى ومناصريه حوّل تلك النافذة إلى ساحة نار، لأن فكرة الأقاليم كانت تعنى نهاية احتكار السلطة والثروة، وبداية شراكة وطنية واسعة. يعرف اليمنيون أن أكثر من خمسين عاما من الحكم المركزى والاحتكار السياسى والاقتصادى لم تبنِ دولة، بل راكمت غضبا صامتا انفجر لاحقا. لم يكن المقترح الاتحادى سبب الاحتراب، بل محاولة متأخرة لتفاديه. لقد جاءت فكرة الأقاليم لحفظ وحدة وطن يعترف بتنوعه ويستند إلى العيش المشترك، لكنها قوبلت بحملة شيطنة واسعة، حتى وُصف المشروع بأنه «مؤامرة غربية»، ووصل الأمر إلى تكفير الفيدرالية نفسها، واعتبار الديمقراطية خيانة، والدولة المدنية إلحادا. وفى لحظة من التزييف الممنهج، صُوِّر مشروع اليمن الاتحادى على أنه كارثة، وكأن الوحدة لا تتحقق إلا بالصمت والخوف. اليوم، لا تزال ميليشيا الحوثى ومناصروها تصر على أن اللامركزية تهديد للوحدة، وقوى اخرى تشيطن الوحدة ذاتها، بينما الحقيقة البسيطة أن الاستقرار لا يُبنى إلا على احترام التنوع، وأن الوحدة الحقيقية لا تُفرض بالقوة، بل تُصان بالعدالة. كما أن تكريس التمزق لا يعنى غير نسف الاستقرار. والمفارقة أن بعض النخب لا تزال تتردد حتى فى التصريح بتأييد وحدة الوطن، وكأن ذكر الوحدة جرم، أو كأن كلمة «فيدرالية» تعويذة تُثير الذعر. والحال أنها ليست سوى أسلوب إدارى لإدارة الدولة، لا أكثر ولا أقل. هذا التزييف ليس جديدا؛ فتغييب الوعى الشعبى ممارسة قديمة. نتذكر واقعة المفكر المصرى الراحل أحمد لطفى السيد، الذى خسر انتخابات الجمعية التشريعية عام 1913 لأن خصمه أقنع الناس بأن الديمقراطية تعنى انهيار الأخلاق.
سُئل: هل أنت ديمقراطى؟
فأجاب: نعم.
فخسر الانتخابات… لكنه كسب التاريخ.
وبعد قرن كامل، لا تزال الكلمات نفسها تُحاكم: الوحدة، اللامركزية، الفيدرالية، الديمقراطية… وكأنها خطايا، لا مفاتيح نجاة.
فى اليمن، حيث الجبال تحرس القرى، والسهول تفتح أبوابها للرياح، والتنوع جزء من هوية المكان، تصبح إدارة الدولة أكثر تعقيدا، وأكثر حاجة للحكمة.
فالحرب التى تُخاض باسم السماء أو باسم الأرض لا تحصد إلا أرواح البسطاء.
تقول إنها تريد الوحدة، بينما تمزقها.
وأخرى تتحدث باسم إعادة تقسيم الوطن وهى تعمق التشظي. بلد يمتلك هذا الثراء الثقافى والجغرافى لا يليق به أن يُحكم من كهف، ولا أن يُقسَّم مواطنوه إلى «مجاهدين» و«كفار»، ولا أن يبقى ساحة حرب دائمة. اليمن يحتاج إلى دولة تتسع للجميع، لا جماعة مغلقة. وإلى دستور اتحادى يحمى وحدته، لا ميليشيا تمزقه. يحتاج إلى عدالة تشبه مطر الجبال حين يهطل على الجميع بلا تمييز. ويبقى السؤال معلقا فى سماء اليمن، مثل طائر يبحث عن مأوى: هل سيُمنح المشروع الاتحادى فرصته كطريق نحو وحدة مستقرة وعادلة؟ أم ستظل قوى الطائفية والهيمنة والمناطقية، تحوّل كل نافذة أمل إلى ساحة صراع لا ينتهي؟ فى هذا البلد القريب البعيد من قلب أمته، وكأن بى أسمع عمر بن أبى ربيعه يهتف بنا ثانية ما قاله فى لحظة شجن قبل الف وثلاثة قرون من السنين: تقول عِيْسِـى وقد وافيْــتُ مبتهـلا، «لَحْجا»وبانت ذُرَى الأعلام من «عدنِ»،
أَمُنْتَهى الأَرْض يا هـذا تريــد بِنَـا؟،
فَقُلتُ كَـلَّا، ولكـنْ مُنْتَهَـى «اليَمَــنِ»
ونحن وإياك لا نريد منتهى الأرض ياعمر بل منتهى اليمن !.
*الأهرام المصرية