سلطنة عمان والدور الراهن في أزمات المنطقة
الخميس, 19 مارس, 2026 - 11:21 مساءً

رسمت التطورات الراهنة التي تشهدها منطقة الخليج العربي مشهدا جديدا مختلفا كليا عن الوضع السابق، في مختلف الأصعدة، وألقت بظلالها على عقود من السياسة الخليجية، وقواعد كانت من الثوابت والمسلمات.
 
في طليعة هذه القضايا دور سلطنة عمان، وعلاقة السلطنة بنظرائها في دول الخليج، ثم علاقتها بشكل أخص مع إيران، وهي العلاقة التي تمتد لقرون، بحكم الجوار، وحافظت على تماسكها، رغم تعاقب الأنظمة في إيران.
 
انتماء وخصوصية
 
تنتمي السلطنة في موقفها لجوارها الخليجي، لكن بأسلوب يقوم على العمل الجماعي، والتفرد بخصوصية مكنت مسقط من لعب أدوار مؤثرة، في العديد من القضايا التي شهدتها المنطقة خاصة العقدين الأخيرين، وهما أكثر السنوات التي شهدت اضطرابات ونزاعات، ابتداء من مفاوضات الاتفاق النووي الإيراني، مرورا بحرب اليمن، ثم انتهاء بالتطورات الجارية في المنطقة، والهجوم الإسرائيلي الأمريكي على إيران، وهجمات إيران على دول الخليج.
 
الحياد المتزن
 
اتسم الدور العماني بالحياد، وعدم الانزلاق للتورط المباشر في الصراعات كما حدث في ملف اليمن، وهو دور لقي معارضة شديد من الجيران الخليجيين، وأدى لتفاقهم خلافات صامتة، وظهور حملات موجهة ضد السلطنة طوال السنوات الماضية، لكنه تحول في نهاية المطاف لسفينة النجاة للجميع، وذلك جراء الدور الذي اضطلعت فيه مسقط في الوساطة بالملف اليمني، بين السعودية والحوثيين من جهة، وبين الحوثيين والولايات المتحدة من جهة أخرى، وأسفر في حلحلة العديد من الملفات، ووضع مداميك خارطة طريق للحل في اليمن.
 
هذه السياسة العمانية المتزنة، تعمل بهدوء، وبعيدا عن ضجيج الإعلام، وصخب التناولات، وبتأثير كبير في خفايا القضايا، دون الظهور المباشر، وبعبارة أدق بدون البحث عن إشادات هنا أو هناك، أو انتظار التصفيق من أي جهة، وهذا الوضع هو دأب السلطنة في مختلف الملفات، وهو بنفس الوقت ما استغله خصومها، الذين يرون القشور فقط، ولا يعلمون عن التفاصيل الدقيقة، وينظرون للعارض فقط، ويجهلون جهودا كبيرة صنعت نتائج حاسمة.
 
عبء الملفات
 
سرد الأدلة لتأكيد هذا الدور لا يكفي للاستعراض هنا، ولكن يمكن الإشارة فقط إلى مضامين التقارير الدولية، والبيانات الأممية، والعربية والإسلامية التي تذكر دوما بجهود سلطنة عمان في ملفات المنطقة المتعددة، وكيف تتحول مسقط إلى الوجهة الأخيرة للبحث عن حلول، أو التوصل إلى قرارات نهائية.
 
ولعل في طليعة مثل هذه الأعمال الهدنة الأمريكية مع الحوثيين، والإفراج عن بحارة في صنعاء، وتوقيع اتفاقات الأسرى اليمنيين، وتقريب وجهات النظر بين جماعة الحوثي، والجانب السعودي، ومؤخرا رسائل الولايات المتحدة للحوثيين عبر الوسيط العماني المطالبة بعدم التدخل في الحرب الجارية، وفقا لوكالة أسوشيتدبرس.
 
هذه الملفات على الرغم من الجهد العماني في حلحلتها، كانت في المقابل محط نقد متواصل من خصوم السلطنة، وربما من حسادها، والذين ساقوا الاتهامات لمسقط من وقت لآخر، وتتمثل أبرز هذه المآخذ في العلاقة مع الحوثيين، والعلاقة مع إيران أيضا، وكلاهما من الملفات الحساسة، وربما عكس هذا امتعاض البعض من الدور العماني، فأطلق العنان لمثل هذه المآخذ، مع أن السلطنة نفسها لم تعر الأمر أي اهتمام، وظلت تعمل بهدوء، غير عابئة لهذه الادعاءات، فهي تدرك أن تدخلها خال من الأجندة، وأن وزنها وقبولها لدى مختلف الأطراف هو سر تقبل الجميع لأدوارها، وأن دبلوماسيتها في التعامل مع الأزمات والصراعات بمنطق التفاوض لا الرصاص هو ما يجعلها طرفا متجردا، وأكسبها رصيدا ثقيلا في هذا الجانب.
 
اختبارات مُلحة
 
غير أن هذا الوضع الإيجابي المتصاعد للسلطنة بدا أمام طاولة الاختبار لمرتين، الأولى كانت مع تولي السلطان هيثم بن طارق مقاليد الحكم، والثاني مع المستجدات الراهنة في المنطقة.
 
في الحالة الأولى حافظت السلطنة على دورها المعهود في حل النزاعات عبر الدبلوماسية والحوار، وتحرك السلطان هيثم في مسارات أوحت أن السلطنة تمضي في نفس مسار السلطان الراحل قابوس بن سعيد رحمه الله، ففتحت خطوط التواصل مع جيرانها الخليجيين ابتداء من السعودية التي كانت المحطة الأولى للسلطان هيثم بعد توليه مقاليد الحكم، وكذلك إحياء التنسيق الأوسع مع دول أخرى كتركيا التي تبادل السلطان هيثم الزيارات الثنائية مع رئيسها رجب طيب أردوغان، وأيضا قطر، ومصر، وغيرها من الدول.
 
قيادة السلطان هيثم لسلطنة عمان مثلت فصلا جديدا في تاريخ السلطنة، فقد جمع بين إرث سلفه قابوس، وقدم نمطا جديدا من الأداء المتمثل بالقابلية السريعة للتعامل مع مختلف الملفات الجديدة، التي لم تتعرض لها السلطنة من قبل، كالصراعات الحديثة، والملفات الشائكة، التي فرضتها الأحداث الأخيرة، كالقضية الفلسطينية، وما جرى في غزة، والحرب في البحر الأحمر، ثم أخيرا الوضع الملتهب في الخليج.
 
وهذا الوضع الراهن في الخليج، والهجمات الإيرانية على دول مجلس التعاون الخليجي يمثل الاختبار الجديد للسلطنة، فمع أول شرارة للحرب، كانت الأنظار موجهة للسلطنة، ماذا ستفعل؟ وكيف ستتصرف؟ ومنبع هذه التساؤلات كان علاقتها مع إيران، وهو ذات المأخذ الذي تحدثنا عنه سلفا، ويجهل الكثير تفاصيل تشكل هذه العلاقة التاريخية التي تربط إيران بالسلطنة، ودوافعها، ومظاهرها، وانعكاساتها على البلدين.
 
التعامل مع الحرب الراهنة
 
سارعت السلطنة منذ اليوم الأول لرفض وإدانة الهجمات الأمريكية الإسرائيلية على إيران، وبنفس الوقت أدانت هجمات إيران على دول الخليج، وتحركت في دبلوماسية عالية لتحديد موقف خليجي عربي مما يجري، وتمثل ذلك في مسارين، الأول كموقف رسمي للسلطنة في رفض الحرب برمتها، خاصة أن هذه الحرب اندلعت قبل ثوان قليلة من إعلان التوصل لحلول سلمية، قادها وزير الخارجية العماني بدر البوسعيدي.
 
والثاني الموقف المنسجم مع مواقف دول الخليج والدول العربية في رفض اعتداءات إيران على المدن والعواصم الخليجية، وتمثل ذلك في البيانات الصادرة عن السلطنة، أو تلك المشتركة الصادرة عن مجلس التعاون الخليجي، ووزارات الخارجية.
 
وهي بهذا الدور تكون السلطنة قد أكدت على قضيتين، الأولى تجسيد موقفها في رفض الحروب والصراعات كمبدأ ثابت تلتزم به في دبلوماسيتها، والثاني انتمائها لمحيطها الخليجي، وعدم تخليها عن نظرائها، والذهاب بعيدا عنهم، والتأكيد على واحدية المصير المشترك مع المنظومة الخليجية.
 
يمكن التوضيح هنا في موقفين، الأول مسارعة سلطنة عمان لتهنئة إيران باختيار المرشد الأعلى الجديد، وهي إشارة إلى العلاقة المميزة بين الدولتين، والموقف الثاني من استمرار مسقط في التحرك لدى دول الخليج وعواصم العالم لإدانة ما تتعرض له الدول الخليجية من اعتداءات، ووصل الاتصالات والمباحثات التي أجراها وزير الخارجية العماني في هذا المسار لنحو 17 اتصالا هاتفيا خلال أقل من أسبوع.
 
التعرض للنيران
 
ورغم هذا الدور العماني النشط والمتزن إلا أن السلطنة لم تنج من نار الحرب الراهنة، فتعرضت موانئها للقصف بالطيران المسير، وسُجلت حالات وفاة وجرحى في قصف إيراني، بل واستهدفت أهم منشأة نفطية تملكها، وتتمثل بخزانات الوقود في مدينة صلالة، ناهيك عن هجمات في مواقع متفرقة، وشملت موانئ ومواقع، وأدت لخسائر باهظة التكاليف.
 
هذه الهجمات المستهدفة للسلطنة وهي صاحبة الدور الدبلوماسي التفاوضي، والبعيدة عن الانخراط في الحرب، والقريبة من كل الأطراف، دفعت مسقط للتعبير الصريح في وصف الاعتداءات عليها بالهجوم الغاشم، وهو أعلى وأدق توصيف تستخدمه الدبلوماسية العمانية لأول مرة.
 
ومع ذلك عملت السلطنة على احتواء الهجمات وتداعياتها، وسرعت من وتيرة التعامل مع آثار الحرب الراهنة، من خلال تحويل مطارات السلطنة لمحطات عبور للعالقين في دول الخليج، وكذلك التحرك الدبلوماسي الموازي لوقف هذه الحرب، والتحذير من مخاطر استمرارها.
 
ويبدو الدور العماني في مجمله من التطورات الجارية يسير في خطين متوازيين، لكن مع تكامل واضح، يجعل من جميع الأبواب مفتوحة، ويحافظ على مسافة واحدة من جميع الأطراف، مع تغليب الانتماء الخليجي، وتفعيل خيار التفاوض السلمي، والحرص على إطفاء النيران قبل اشتعالها وتوسعها.
 

التعليقات