أسبوع المرور في عصر الذكاء الاصطناعي

الجمعة, 08 مايو, 2026 - 01:43 مساءً

بما أننا في "أسبوع المرور"، وفي الوقت الذي يُسخّر فيه العالم اليوم تقنيات الذكاء الاصطناعي لإدارة حركة السير، ورسم خرائط الأمان، وحماية الأرواح من الأخطاء البشرية، نجد أنفسنا في اليمن أمام مشهد عبثي مكرر، فنحن نحتفل بشعارات جوفاء لا تتجاوز ساعاتها أصابع اليد الواحدة قبل أن تتبخر مع أول غروب شمس، تاركةً خلفها واقعاً مريراً لا صلة له بأي أسبوع مروري.
 
فنحن لا نحتفل بسلامة، بل نحتفل بـ "فشل مستدام"؛ إذ أصبح أسبوع المرور في بلادنا مجرد طقسٍ سنوي للجباية لا لتقديم الخدمة، فأين هي اللوحات الإرشادية؟ وأين هي صيانة الطرقات؟ وأين هي التوعية الحقيقية؟ الواقع يخبرنا أن الشوارع تحولت إلى مقابر، والبنية التحتية غائبة تماماً، والأنظمة المرورية المتقدمة التي تخدم البشرية في كل أصقاع الأرض لم تجد طريقها إلينا رغم توفر التقنية والذكاء الاصطناعي.
 
إن الانتقاد لا يتوقف عند رجل المرور في الشارع، بل يبدأ من "الرأس الكبير"؛ فالمسؤولون الذين يجوبون أصقاع الأرض ويشاهدون بأعينهم كيف تُدار قواعد المرور في الدول المتقدمة وكيف تُستغل التقنية لتنظيم حياة الناس، يعودون ليطبقوا لدينا قانون "الغابة"، مكتفين بمشاهدة الفساد بل وإدارته؛ إذ يجمعون الجبايات ورسوم "التربتيك" والجمارك ورسوم اللوحات دون أن يرى المواطن قرشاً واحداً ينعكس على سلامته أو على راتب الموظف، وهنا نذكّر هؤلاء المسؤولين بحديث رسول الله ﷺ: "كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ"، فالمنصب تكليف ومسؤولية أمام الله قبل أن يكون سلطة، والفساد الذي نراه هو خيانة لهذه الأمانة.
 
وكيف نطالب المواطن بالالتزام بالقانون ونحن نرى طقم المرور يقطع الإشارة بصلف، ويسير عكس السير بتبجح؟ إن "فاقد الشيء لا يعطيه"، وما يوجع القلب حقاً هو تلك المقاطع التي تغزو وسائل التواصل الاجتماعي لرجل مرور يمد يده لابتزاز مواطن، أو يرفع سلاحه في وجهه ليجبره على دفع "حق القات"، وهذا السلوك ليس مجرد خطأ فردي بل هو انهيار لمنظومة الأخلاق والزي العسكري الذي يفترض أن يكون رمزاً للحماية لا أداة للنهب.
 
ونقول لكل من يمد يده لنهب المواطن اتقوا الله في أنفسكم، فالله تعالى يقول: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}، فالمال الذي تأخذه بغير وجه حق هو سُحتٌ سيُسأل عنه صاحبه يوم لا ينفع مال ولا بنون، ولكي نكون منصفين فإن تحيتنا تذهب لهؤلاء النفر القليل من الشرفاء الذين يؤدون عملهم بإخلاص وعفة رغم قسوة الظروف، لكن هؤلاء للأسف يغرقون في بحر من الفساد الذي يمثله الأغلبية، أما التبرير بـ "ضعف الراتب" فهو عذر أقبح من ذنب، فمن لا يستطيع أن يحفظ كرامته في عمله فليبحث عن رزقه في مكان آخر لا أن يذل المواطن ويقتات على معاناته.
 
إن استيرادنا "للسيئ" من الخارج فقط أدى إلى تحويل اليمن إلى مكب لخردة العالم؛ سيارات متهالكة وباصات تحمل بشراً وعفشاً فوق طاقتها أضعافاً مضاعفة، ومراهقون يمارسون "التفحيط" في شوارع عامة، وغياب تام للمعايير في منح رخص القيادة التي أصبحت تباع وتشترى، فأين وزارة النقل وأين آليات التبليغ عن المخالفات؟
 
يبدو أننا في دولة لا تعترف بالرقابة ولا تحترم أرواح البشر، وإننا نناشد الضمائر التي لم تمت أن تتقي الله في أرواح الناس وفي هذا البلد، فالمسؤولية أمانة، وكما قال الله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَىٰ أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ}، فاليمنيون في الخارج يضربون أروع الأمثلة في الانضباط والنظام، فهل يعجز مسؤولو الداخل عن استنساخ هذا النموذج في أرضهم؟ كفوا عن تلطيخ سمعة اليمن بفسادكم، واعلموا أن الوطن لا يبنى بالشعارات بل بالعدل والنظام والمحاسبة التي تبدأ من "الرأس الكبير" قبل الصغير.
 

التعليقات