اليمن وعدسة الحرب القذرة…
الجمعة, 01 يوليو, 2022 - 10:57 صباحاً

تجولت القناة في صنعاء بأريحية، وزارت أماكن كثيرة عدا تلك التي تمنينا أن تزورها، مثلاً السجون التي يخفي فيها الحوثيون زملاءنا الصحافيين، أو النساء وبينهن عارضة الأزياء انتصار الحمادي، أو السياسيين، أو غيرهم من البشر… هذه أشياء محرمة.
 
توجعك الصورة وأنت تشاهد أحدهم يروي مأساتك نيابة عنك، ومن وجهة نظره هو، ويسد بيده فمك كي لا تصحح ما يقول، لأنه يرى أنه يعرف أكثر.
 
ينتابك هذا الشعور وأنت تشاهد فيلماً وثائقياً مدته 50 دقيقة بثته قناة DW الألمانية، كل تفاصيله وضيوفه في صنعاء، فيما عيناك وحدهما تنظران من خارجها، تترقبان طوال العرض متى سينتقل الصحافي لنقل الجزء الآخر من الحكاية.
 
لا شيء… يستضيف الفيلم قياديي الحوثي في منازلهم ومكاتبهم الفارهة، بدءاً من محمد علي الحوثي، الحاكم الفعلي لمناطق سيطرة الحوثيين، مروراً بأحد أبرز وجوههم القيادي حسين العزي، ثم وزير داخليتهم جلال الرويشان وشقيقه، وعبدالقادر المرتضى الممسك بملف الأسرى والمعتقلين، وأكبر تاجر داعم لهم (يحي الحباري). هذا الأخير ظهر متباهياً بمسبحه الفاره المغلق وخيوله وسلاحه، إضافة إلى سيارة الرئيس هادي المصفحة التي صارت ملكه قائلاً إنه اشتراها من أصدقائه الحوثيين.
 
واستضاف الفيلم رئيس منظمة مقربة من الحوثيين وأطباء في مستشفى في الحديدة ومسؤولاً حوثياً عن الألغام وجندياً سودانياً ورئيس شركة النفط الخاضعة لسيطرة الحوثيين، ومدخل الفيلم لشخص وُصف بـ”مؤثر” وقال إنه داعم للحوثيين أيضاً.
 
هذه قائمة كل ضيوف الفيلم الطويل الذي عنونته القناة بـ”حرب اليمن القذرة”، وأظهر السواد الذي تخلفه أي حرب، والثراء الذي تخلفه الحروب أيضاً عند تجارها، وهو ما أكدته القناة من مشاهد لقادة الحوثي.
 
كالعادة، مر معدو الفيلم من مطار عدن، ولم يسألوا أنفسهم ماذا حدث هنا، وكيف أن آخر شيء حدث في هذا المطار لا يمكن أن يمر على أصغر صحافي مبتدئ، ولو حتى من باب المجاملة ذكر ماحدث.. ذلك الحدث الجلل الذي استهدف طائرة الحكومة اليمنية والتي استهدفت بالصواريخ وسقط قتلى وجرحى من المواطنين الذين باغتهم الصاروخ في صالة الانتظار ونجت الطائرة بأعجوبة من الصواريخ.
 
مر معدو الفيلم في الطرق الوعرة، وأبدوا امتعاضهم من الواقع، ولم يقولوا من الذي يسد الطرق، ومن الذي يرفض فتحها وكيف ظل المبعوث الأممي منتظرا لرد الحوثيين على مقترحه بفتح طريق واحد فقط ليصل الناس إلى مدينتهم تعز بسلام كما كان في السابق في 20 دقيقة وليس في 10 ساعات في الجبال الوعرة، وكان الرد المتوقع بالرفض.
 
واستمرت حفلة الردح الإنساني في صنعاء طوال الفيلم، وأتوا بالرواية المنقوصة التي يسلكها كل من أراد تشويه الملف اليمني، حيث حددوا تاريخ الحرب بالعام 2015، وهي الرواية التي أصبحت سمة لكل من يريد أن يقفز بالملف إلى رؤيته ضد التحالف السعودي- الإماراتي وليس لرواية القصة اليمنية الحقيقية.
 
تجولت القناة في صنعاء بأريحية، وزارت أماكن كثيرة عدا تلك التي تمنينا أن تزورها، مثلاً السجون التي يخفي فيها الحوثيون زملاءنا الصحافيين، أو النساء وبينهن عارضة الأزياء انتصار الحمادي، أو السياسيين، أو غيرهم من البشر… هذه أشياء محرمة.
 
يتجاهل هؤلاء أن الحرب بدأت في سبتمبر 2014 حين اسموها ثورة 21 سبتمبر، أي قبل تدخل التحالف ب 6 أشهر، وما قبلها من عمران، ويؤرخون للضربات الجوية من آذار/ مارس 2015 بينما كان الحوثيون يقصفون قصر الرئاسة في عدن بالطيران عقب فرار الرئيس هادي من قبضتهم في صنعاء.

يتم تصوير الواقع بأن التحالف جاء ليحارب اليمنيين كما يصور هؤلاء هكذا وكأن اليمنيين ليسوا في المشهد.
 
حين يقرر صحافي أو مخرج أفلام أن يصوّر فيلماً ويسميه “حرب اليمن” عليه أن يعرف أين بدأت الحرب، من عمران وحتى صنعاء التي سيطر الحوثي عليها بمؤامرة دفعنا نحن ثمنها مع المتآمر نفسه، ثم بدأت الحرب على اليمنيين وليس على صنعاء، فجاء التحالف بمحاسنه وأخطائه ليكون جزءاً من الحرب، وحين حاول الابتعاد من القصة بدأت تظهر للعالم حقيقة الإشكالية، وهي أن الحوثي حصل على كل ما أراده واستكثر علينا فتح طريق واحدة لنعبرها إلى مدننا المحاصرة.
 
يكون الصحافي قد حسم توجهه حين لا يسأل نفسه أين سقط أول صاروخ طيران، وأين وقعت أول المعارك، وأين أول الضحايا وآخرهم.
 
يكون الصحافي منحازاً حين يذهب لطرف يصنفه العالم جماعة إرهابية بينما هو يحتفي بقادته بفيلم لمدة ساعة كاملة، بينما تحاصر الجماعة الإرهابية محافظات كاملة بملايين من سكانها منذ سبعة أعوام، ولا يفكر الصحافي هذا برؤية ما يحدث هناك.
 
يكون الصحافي مجرماً حين يفاضل بين القتلى، فيحتفي بقتلى سقطوا بصاروخ طائرة سعودية، ويتجاهل القتلى بالقذائف والقناصات والألغام الحوثية.
 
لم تكلف القناة نفسها عناء القيام بجولة في الأحياء المطحونة في تعز، وضحاياها الذين سقطوا ويسقطون يومياً، ومستشفياتها التي أغلقت ودمرت، ومدارسها التي سويت بالأرض، وناسها الذين بترت الألغام أطرافهم، وكل ذلك بفعل حوثي خالص.
 
لم تشاهد أكبر مخيم للنازحين في المنطقة في مارب، ولم توجه عدستها لأحياء عدن التي طحنتها جنازير الحوثي.
 
لوهلة تتصور أن الفيلم مجرد جزء أول وسيأتي الجزء الثاني لينقل رؤية المنكوبين في الطرف الآخر.
 
هكذا إذاً يشبعون وجهة نظر المشاهد، يزورون صنعاء لينقلوا الوضع الإنساني ويجتهدون في تنميق المأساة، بينما تصلح تعز فقط لأن تصبح وكراً للقاعدة كما ورد في فيلم سابق أنتج خصيصاً للقناة حول كيف وصل السلاح لفصائل المقاومة، ولم يسألوا لماذا ولدت مقاومة في تعز، ربما كانوا سيجدون مبرراً لماذا أصبحت تعز محافظة مسلحة وهي التي كانت لا تعرف شكل السلاح.
 
وكالعادة كان الفيلم يتحدث عن سلاح التحالف المتسلل إلى تعز، ولم يذكر شيئاً عن سفن السلاح التي تنقل أسلحتها صوب الميليشيات.
 
لوهلة تشعر بأنك تحارب العالم بكل أوساخه السياسية، حين تنظر لنفسك حاملاً أمنيات العودة لمنزلك طوال عقد من الزمن، بينما يأتي صحافي من أقاصي أوروبا ليحدثك أن المجرم الذي شردك وقتل أهلك وسجن أصدقاءك وعذبهم حتى الموت، وفجر منازل معارفك هو الضحية، وأنت مجرد رقم من في قائمة الناجين، والمحظوظ بأنك صرت نازحاً أو لاجئاً وعليك أن تحتفي بذلك، وأن تصمت كي لا تخدش رواية صحافي من العالم الأول.
اليمن وعدسة الحرب القذرة…
درج- غمدان اليوسفي
تجولت القناة في صنعاء بأريحية، وزارت أماكن كثيرة عدا تلك التي تمنينا أن تزورها، مثلاً السجون التي يخفي فيها الحوثيون زملاءنا الصحافيين، أو النساء وبينهن عارضة الأزياء انتصار الحمادي، أو السياسيين، أو غيرهم من البشر… هذه أشياء محرمة.
 
توجعك الصورة وأنت تشاهد أحدهم يروي مأساتك نيابة عنك، ومن وجهة نظره هو، ويسد بيده فمك كي لا تصحح ما يقول، لأنه يرى أنه يعرف أكثر.
 
ينتابك هذا الشعور وأنت تشاهد فيلماً وثائقياً مدته 50 دقيقة بثته قناة DW الألمانية، كل تفاصيله وضيوفه في صنعاء، فيما عيناك وحدهما تنظران من خارجها، تترقبان طوال العرض متى سينتقل الصحافي لنقل الجزء الآخر من الحكاية.
 
لا شيء… يستضيف الفيلم قياديي الحوثي في منازلهم ومكاتبهم الفارهة، بدءاً من محمد علي الحوثي، الحاكم الفعلي لمناطق سيطرة الحوثيين، مروراً بأحد أبرز وجوههم القيادي حسين العزي، ثم وزير داخليتهم جلال الرويشان وشقيقه، وعبدالقادر المرتضى الممسك بملف الأسرى والمعتقلين، وأكبر تاجر داعم لهم (يحي الحباري). هذا الأخير ظهر متباهياً بمسبحه الفاره المغلق وخيوله وسلاحه، إضافة إلى سيارة الرئيس هادي المصفحة التي صارت ملكه قائلاً إنه اشتراها من أصدقائه الحوثيين.
 
واستضاف الفيلم رئيس منظمة مقربة من الحوثيين وأطباء في مستشفى في الحديدة ومسؤولاً حوثياً عن الألغام وجندياً سودانياً ورئيس شركة النفط الخاضعة لسيطرة الحوثيين، ومدخل الفيلم لشخص وُصف بـ”مؤثر” وقال إنه داعم للحوثيين أيضاً.
 
هذه قائمة كل ضيوف الفيلم الطويل الذي عنونته القناة بـ”حرب اليمن القذرة”، وأظهر السواد الذي تخلفه أي حرب، والثراء الذي تخلفه الحروب أيضاً عند تجارها، وهو ما أكدته القناة من مشاهد لقادة الحوثي.
 
كالعادة، مر معدو الفيلم من مطار عدن، ولم يسألوا أنفسهم ماذا حدث هنا، وكيف أن آخر شيء حدث في هذا المطار لا يمكن أن يمر على أصغر صحافي مبتدئ، ولو حتى من باب المجاملة ذكر ماحدث.. ذلك الحدث الجلل الذي استهدف طائرة الحكومة اليمنية والتي استهدفت بالصواريخ وسقط قتلى وجرحى من المواطنين الذين باغتهم الصاروخ في صالة الانتظار ونجت الطائرة بأعجوبة من الصواريخ.
 
مر معدو الفيلم في الطرق الوعرة، وأبدوا امتعاضهم من الواقع، ولم يقولوا من الذي يسد الطرق، ومن الذي يرفض فتحها وكيف ظل المبعوث الأممي منتظرا لرد الحوثيين على مقترحه بفتح طريق واحد فقط ليصل الناس إلى مدينتهم تعز بسلام كما كان في السابق في 20 دقيقة وليس في 10 ساعات في الجبال الوعرة، وكان الرد المتوقع بالرفض.
 
واستمرت حفلة الردح الإنساني في صنعاء طوال الفيلم، وأتوا بالرواية المنقوصة التي يسلكها كل من أراد تشويه الملف اليمني، حيث حددوا تاريخ الحرب بالعام 2015، وهي الرواية التي أصبحت سمة لكل من يريد أن يقفز بالملف إلى رؤيته ضد التحالف السعودي- الإماراتي وليس لرواية القصة اليمنية الحقيقية.
 
تجولت القناة في صنعاء بأريحية، وزارت أماكن كثيرة عدا تلك التي تمنينا أن تزورها، مثلاً السجون التي يخفي فيها الحوثيون زملاءنا الصحافيين، أو النساء وبينهن عارضة الأزياء انتصار الحمادي، أو السياسيين، أو غيرهم من البشر… هذه أشياء محرمة.
 
يتجاهل هؤلاء أن الحرب بدأت في سبتمبر 2014 حين اسموها ثورة 21 سبتمبر، أي قبل تدخل التحالف ب 6 أشهر، وما قبلها من عمران، ويؤرخون للضربات الجوية من آذار/ مارس 2015 بينما كان الحوثيون يقصفون قصر الرئاسة في عدن بالطيران عقب فرار الرئيس هادي من قبضتهم في صنعاء.

يتم تصوير الواقع بأن التحالف جاء ليحارب اليمنيين كما يصور هؤلاء هكذا وكأن اليمنيين ليسوا في المشهد.
 
حين يقرر صحافي أو مخرج أفلام أن يصوّر فيلماً ويسميه “حرب اليمن” عليه أن يعرف أين بدأت الحرب، من عمران وحتى صنعاء التي سيطر الحوثي عليها بمؤامرة دفعنا نحن ثمنها مع المتآمر نفسه، ثم بدأت الحرب على اليمنيين وليس على صنعاء، فجاء التحالف بمحاسنه وأخطائه ليكون جزءاً من الحرب، وحين حاول الابتعاد من القصة بدأت تظهر للعالم حقيقة الإشكالية، وهي أن الحوثي حصل على كل ما أراده واستكثر علينا فتح طريق واحدة لنعبرها إلى مدننا المحاصرة.
 
يكون الصحافي قد حسم توجهه حين لا يسأل نفسه أين سقط أول صاروخ طيران، وأين وقعت أول المعارك، وأين أول الضحايا وآخرهم.
 
يكون الصحافي منحازاً حين يذهب لطرف يصنفه العالم جماعة إرهابية بينما هو يحتفي بقادته بفيلم لمدة ساعة كاملة، بينما تحاصر الجماعة الإرهابية محافظات كاملة بملايين من سكانها منذ سبعة أعوام، ولا يفكر الصحافي هذا برؤية ما يحدث هناك.
 
يكون الصحافي مجرماً حين يفاضل بين القتلى، فيحتفي بقتلى سقطوا بصاروخ طائرة سعودية، ويتجاهل القتلى بالقذائف والقناصات والألغام الحوثية.
 
لم تكلف القناة نفسها عناء القيام بجولة في الأحياء المطحونة في تعز، وضحاياها الذين سقطوا ويسقطون يومياً، ومستشفياتها التي أغلقت ودمرت، ومدارسها التي سويت بالأرض، وناسها الذين بترت الألغام أطرافهم، وكل ذلك بفعل حوثي خالص.
 
لم تشاهد أكبر مخيم للنازحين في المنطقة في مارب، ولم توجه عدستها لأحياء عدن التي طحنتها جنازير الحوثي.
 
لوهلة تتصور أن الفيلم مجرد جزء أول وسيأتي الجزء الثاني لينقل رؤية المنكوبين في الطرف الآخر.
 
هكذا إذاً يشبعون وجهة نظر المشاهد، يزورون صنعاء لينقلوا الوضع الإنساني ويجتهدون في تنميق المأساة، بينما تصلح تعز فقط لأن تصبح وكراً للقاعدة كما ورد في فيلم سابق أنتج خصيصاً للقناة حول كيف وصل السلاح لفصائل المقاومة، ولم يسألوا لماذا ولدت مقاومة في تعز، ربما كانوا سيجدون مبرراً لماذا أصبحت تعز محافظة مسلحة وهي التي كانت لا تعرف شكل السلاح.
 
وكالعادة كان الفيلم يتحدث عن سلاح التحالف المتسلل إلى تعز، ولم يذكر شيئاً عن سفن السلاح التي تنقل أسلحتها صوب الميليشيات.
 
لوهلة تشعر بأنك تحارب العالم بكل أوساخه السياسية، حين تنظر لنفسك حاملاً أمنيات العودة لمنزلك طوال عقد من الزمن، بينما يأتي صحافي من أقاصي أوروبا ليحدثك أن المجرم الذي شردك وقتل أهلك وسجن أصدقاءك وعذبهم حتى الموت، وفجر منازل معارفك هو الضحية، وأنت مجرد رقم من في قائمة الناجين، والمحظوظ بأنك صرت نازحاً أو لاجئاً وعليك أن تحتفي بذلك، وأن تصمت كي لا تخدش رواية صحافي من العالم الأول.

*نقلا عن درج

التعليقات