إن تصاعد أحداث القصف المتبادل بين أمريكا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، وارتفاع وتيرة التهديدات المتبادلة بين أطراف الصراع قد بلغ ذروته، مع تلويح ترمب باستهداف الطاقة النووية في محطة بوشهر وإعادة استهداف جزيرة "خارك" الإيرانية. بدورها ردت طهران بالمثل، مهددة باستهداف دول المنطقة وخاصة مصادر الطاقة الخليجية، التي تزعم طهران أنها مصالح أمريكية بحتة وليست مصالح دول مجاورة لها في نفس المحيط.
إن تطورات المشهد اليوم بما فيها البعد الاقتصادي، توقف الاستثمارات وارتفاع أسعار النفط، وارتفاع تكلفة تأمين نقل الطاقة، توحي بأن الحكمة الخليجية وصبرها الطويل يقتربان من نهايتهما، وأن سياسة ضبط النفس التي مارستها العواصم الخليجية منذ أواخر فبراير 2026م قد لا تصمد أكثر أمام استمرار الاستهداف الإيراني للمنشآت المدنية ومصادر الطاقة، مما يحتم اتخاذ قرارات مصيرية والذهاب نحو خيارات مبررة، قد تصل إلى تقديم طلب رسمي لواشنطن بسحب قواتها من القواعد الخليجية؛ لنزع الذرائع التي تتذرع بها طهران لاستهداف المنطقة.
إن سلامة الأراضي الخليجية ومنشآتها ومصالحها القومية أولوية قصوى، وهي بلا شك تفوق في أهميتها ضرورة بقاء القواعد الأمريكية في المنطقة.
لم تكن دول الخليج العربي وحدها من تأثر من الحرب بل ان أضرار الحرب على نقل الطاقة تشمل كافة الدول التي تمر سفنها من مضيق هرمز، حيث تكلفة التأمين على السفن التي تمر عبر مضيق هرمز ارتفعت لأكثر من 12 ضعفا، مقابل ما كانت عليه قبل الحرب، و التي بلغت حاليا حوالي 3% من قيمة حمولة السفينة مقابل 0.25% من قيمتها قبل اندلاع الحرب في الخليج، وفق ما اوردتة صحيفة فايننشال تايمز.
مفاضلات معقدة ومغامرة محسوبة
للوهلة الأولى، قد يبدو خيار طلب الانسحاب الأمريكي مغامرة خطيرة، لكن سيناريو تطور الأحداث هو من سيحدد مدى صوابية القرار. ففي حال استمر القصف الإيراني حتى بعد انسحاب القوات الأمريكية، ستجد الدول الخليجية نفسها مضطرة لخيارات أكثر مرارة، تتجاوز في حدتها مجرد فك الارتباط العسكري مع واشنطن.
لكن، ماذا لو استمرت إيران في القصف بعد الانسحاب؟
هنا يدخل الخليج مرحلة جديدة تماماً، فاستمرار الضربات يعني أن الصراع قد أسقط أقنعته الأخيرة، وأن الخليج لم يعد مجرد ساحة لتصفية الحسابات، بل أصبح هدفاً في حد ذاته.
عندها سيكون الرد الخليجي حقاً سيادياً مشروعاً، يتحول فيه الموقف من الدفاع إلى الردع المباشر .
سيناريوهات المواجهة والردع
السيناريو الأول: التحالف الدفاعي الموحد، وتحويل "درع الجزيرة" إلى قوة ردع حقيقية وشبكة دفاع جوي وصاروخي موحدة، تحت غرفة قيادة واحدة، وتعزيز قواتها وقدراتها بما يتناسب مع التحديات، وقد اتخذت دول مجلس التعاون في دورتها الثالثة بالعاصمة البحرينية المنامة، قرار تشكيلها في نوفمبر/تشرين الثاني 1982.
رغم انه لا تتوفر تفاصيل عن إمكانيات قوات درع الجزيرة وقدراتها بيد انه قد نُقل عن قائد القوات السعودية اللواء الركن مطلق بن سالم الأزيمع قوله إن عدد قوات درع الجزيرة يتجاوز الثلاثين ألف عسكري من الضباط والجنود بينهم نحو 21 ألف مقاتل.
وهذا يتطلب قراراً سياسياً شجاعاً وتجاوزاً للحساسيات القديمة بين العواصم.
السيناريو الثاني: استمرار الانقسام ونجاح الضغوط الخارجية في إبقاء الخلافات الخليجية حية لضمان استمرار الحاجة لـ "الحماية المستوردة" وبقاء الخليج ساحة للابتزاز (الأمريكي-الإيراني) المتبادل واستنزاف المقدرات وتكون الخسائر الخليجية على هيئة عقود طاقة، اتفاقيات استثمارية، وصفقات سلاح، طويلة الأمد.
وفي الختام: الخليج أمام مفترق الطرق
الخليج اليوم أمام خيارين لا ثالث لهما:
1- تحالف دفاعي موحد، يغير قواعد اللعبة ويفرض هيبة المنطقة كقوة إقليمية مستقلة.
2- بقاء الوضع الراهن، الاستمرار في دائرة الاعتماد على الحماية الأمريكية لم تعد فعالة كما كانت.
الخيار الأول صعب لكنه ممكن، ويضمن الكرامة والسيادة، والثاني سهل لكنه مكلف، يحمل بذور عدم الاستقرار الدائم…قد يدفع الخليج ثمنه لسنوات طويلة.