[ من تظاهرة في صنعاء للحوثيين ]
رغم التصعيد العسكري بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، يلاحظ مراقبون أن جماعة الحوثي في اليمن – أحد أبرز حلفاء طهران في المنطقة – لم تنخرط بشكل مباشر في القتال حتى الآن، في خطوة يرى محللون أنها تعكس حسابات استراتيجية معقدة تجعل الجماعة بمثابة “ورقة احتياط” أو سياسة تأمين إيرانية يمكن استخدامها في مرحلة لاحقة من الصراع.
ويشير تحليل صادر عن معهد الشرق الأوسط (MEI) للباحثة ندى الدوسري إلى أن بقاء الحوثيين خارج المعركة حتى الآن لا يعني غياب الدور، بل يعكس استراتيجية مدروسة تقوم على الاحتفاظ بقدراتهم العسكرية كورقة ضغط يمكن استخدامها إذا توسعت الحرب في المنطقة.
يرى التحليل الذي ترجمه الموقع بوست أن الحوثيين يشكلون أحد أهم عناصر النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، إذ تطوروا خلال العقد الأخير من حركة محلية في شمال اليمن إلى قوة عسكرية إقليمية تمتلك ترسانة متقدمة من الصواريخ والطائرات المسيّرة والأسلحة البحرية.
وفقا للتحليل ساهم الدعم الإيراني – الذي شمل التدريب والتسليح والمعلومات الاستخباراتية – في تعزيز قدرات الجماعة العسكرية، ما مكّنها من تنفيذ هجمات بعيدة المدى واستهداف الملاحة الدولية في البحر الأحمر.
لكن الخبراء يرون أن إيران قد تفضّل عدم الزج بهذه الورقة مبكراً في الحرب، لأن الحوثيين يمثلون أحد أهم أدوات الضغط الاستراتيجي التي يمكن استخدامها لاحقاً إذا تصاعدت المواجهة.
وترى الباحثة إن إحدى أهم أوراق القوة التي يمتلكها الحوثيون تتمثل في موقعهم الجغرافي المطل على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
وبحسب التحليل، فإن انخراط الحوثيين الكامل في الحرب قد يعني استخدام ترسانتهم من الصواريخ والطائرات المسيّرة والألغام البحرية والأسلحة المضادة للسفن لاستهداف الملاحة الدولية أو البنية التحتية الإقليمية.
كما يمكن أن يؤدي ذلك إلى تعطيل التجارة العالمية عبر البحر الأحمر، وهو ما قد يرفع التكاليف الاقتصادية للحرب ويزيد الضغط الدولي لإنهاء الصراع.
وتعد المنطقة البحرية الواقعة بين اليمن والقرن الإفريقي نقطة اختناق استراتيجية، إذ تمر عبرها نسبة كبيرة من تجارة الطاقة والسلع العالمية، ما يجعل أي اضطراب فيها ذا تأثير واسع على الاقتصاد العالمي.
رغم خطابهم السياسي الداعم لإيران، تشير التحليلات إلى أن الحوثيين يفضلون الانتظار وتقييم مسار الحرب قبل اتخاذ قرار بالتصعيد.
ومن بين الأسباب الرئيسية لذلك وفقا للباحثة تجنب ضربات انتقامية واسعة، وانخراط الحوثيين المباشر قد يؤدي إلى هجمات أميركية أو إسرائيلية واسعة على مواقعهم في اليمن، وهو سيناريو تسعى الجماعة لتفاديه في الوقت الحالي.
وكذلك الحفاظ على قدراتهم العسكرية، إذ يرى محللون أن الحوثيين يدركون أن ترسانتهم العسكرية تشكل ورقة ضغط استراتيجية، ولذلك قد يحتفظون بها لمرحلة أكثر حسماً في الحرب.
ومن الأسباب أيضا حسابات سياسية داخلية، فاليمن يواجه أزمة اقتصادية وإنسانية حادة، وقد يؤدي الانخراط في حرب إقليمية إلى زيادة الضغوط على الجماعة داخليا، وكذلك خلق توازن معقد بين الولاء والمصلحة، فالتحليلات تشير إلى أن العلاقة بين إيران والحوثيين تقوم على توازن بين المصالح المشتركة والاستقلال النسبي للجماعة.
ففي حين تقدم إيران دعماً عسكرياً وسياسياً مهماً للحوثيين، فإن الجماعة باتت تمتلك أيضاً حساباتها الخاصة المرتبطة بالوضع اليمني والصراع الداخلي، ولهذا يرى بعض الخبراء أن طهران قد لا تكون قادرة دائماً على فرض قراراتها بالكامل على الحوثيين، خاصة في ظل تعاظم قوة الجماعة داخل اليمن.
ورغم غياب التدخل العسكري المباشر حتى الآن، فإن الحوثيين يواصلون إصدار تصريحات تؤكد استعدادهم للتدخل إذا تطورت الحرب، زقال زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي إن قواته “جاهزة للتحرك في أي لحظة إذا استدعت التطورات ذلك”، في إشارة إلى أن قرار التدخل قد يتغير إذا توسعت المواجهة.
وترى الباحثة أن دخول الحوثيين الحرب قد يفتح جبهة جديدة في البحر الأحمر، ما قد يؤدي إلى تهديد الملاحة الدولية والطاقة، وتوسيع نطاق الحرب في الشرق الأوسط، وزيادة الضغوط الاقتصادية العالمية.
لكن في الوقت الراهن، يبدو أن الجماعة تفضل البقاء خارج المعركة، بينما تراقب تطورات الصراع وتحتفظ بقدراتها العسكرية كورقة يمكن استخدامها في اللحظة التي ترى فيها أنها الأكثر تأثيراً.
وفي هذا السياق، يشير تحليل معهد الشرق الأوسط إلى أن بقاء الحوثيين خارج القتال حتى الآن ليس علامة ضعف، بل جزء من استراتيجية أوسع لإدارة التصعيد في الحرب الإقليمية الدائرة حول إيران.