العيد فرصة غالية لتجديد المحبة بين المسلمين، وهو ليس مجرد مظاهر وزينة، بل هو نداء لتنقية القلوب وتقوية الروابط التي بيننا، انطلاقاً من قوله تعالى: "إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ". إن البهجة الحقيقية للعيد لا تكتمل إلا بالتسامح وفتح صفحة جديدة، ومن أجمل صفات المسلم أن يكون سباقاً بالخير، يبادر بالسلام والتهنئة ويشارك الناس أفراحهم، فهذا السعي ينشر السعادة والمودة في المجتمع كله.
لكن في وسط هذه الأفراح، يجب أن نقف وقفة صريحة مع أنفسنا؛ فمن الغريب أن نجد شخصاً حريصاً جداً على تهنئة البعيد، ويسابق الريح ليبارك لزملاء العمل والأصدقاء بابتسامة عريضة، لكن قلبه يظل مغلقاً في وجه أقرب الناس إليه! إن هذا التناقض الذي يجعل المرء يغمر الغرباء بالكلام الطيب وهو يقطع رحمه لسنوات، هو خلل كبير في ترتيب الأولويات. يا من تبحث عن الأجر في العيد، جميل أن تكون سمحاً مع الناس، لكن الأجمل والأولى عند الله أن تبدأ بأهلك، بمن هم "لحمك ودمك"؛ أختك التي تنتظر منك اتصالاً، وأخوك الذي يتمنى أن تبادر بالسلام، وأعمامك وأخوالك.. هؤلاء هم أصحاب الحق الأصيل عليك، وصلة الرحم عبادة عظيمة والعيد هو أفضل وقت لكسر حاجز الخصام، تذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: "ليس الواصل بالمكافئ، ولكن الواصل الذي إذا قطعت رحمه وصلها".
واليوم مع تطور وسائل الاتصال، لم يعد لأحد عذر في القطيعة؛ فكلمة بسيطة في رسالة أو اتصال هاتفي تسمع فيه صوتك، يغير نفسية قريبك ويبرد قلبه كأنه الثلج، ويشعره أنه لا يزال غالياً عندك. في السابق، ربما كانت العادات تضغط علينا، فكانت الزيارة ترتبط بتقديم الهدايا أو المال، وهذا كان يجعل الشخص الذي يمر بظروف مادية صعبة ينحرج ويقاطع، لكن اليوم ومع الظروف الاقتصادية التي يمر بها الجميع، سقطت كل هذه الأعذار. فالاتصال المخلص والكلمة الطيبة أثمن عند القريب من كل كنوز الدنيا، لأنها نابعة من قلب يحب ويشتاق. وحتى كبار السن الذين لا يحسنون التعامل مع الهواتف الحديثة، حقهم علينا لا يضيع؛ إذ يكفي أن تتصل بأخيك أو بأحد أقربائهم وتطلب محادثتهم أو توصل سلامك لهم، المهم أن يشعروا أنهم لا يزالون في الخاطر وفي سويداء القلب.
والوفاء في العيد لا يتوقف عند الأهل فقط، بل يمتد للجيران الذين أوصى بهم النبي صلى الله عليه وسلم، ولكل من كان بينك وبينهم خصومة أو مشاكل من أمور الدنيا الزائلة. العيد فرصة لتطلب المسامحة وتنهي القطيعة، فخير المتخاصمين هو من يبدأ بالسلام، كما قال عليه الصلاة والسلام: "ويلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام". كما يجب أن يمتد وصلك لكل شخص صنع لك معروفاً في حياتك؛ معلموك الذين تعبوا في تعليمك، وأصحاب الفضل الذين كانوا سبباً -بعد توفيق الله- في وصولك لوظيفة أو نجاح مشروعك. إن تذكر هؤلاء هو قمة الرقي والذوق الإنساني.
ولنا في رسول الله صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة؛ فقد كان يشارك أصحابه الفرحة، ويظهر البشاشة والسرور، وكان أصحابه رضي الله عنهم إذا التقى بعضهم ببعض يوم العيد قالوا: "تقبل الله منا ومنكم". فما أجمل أن نقتدي بهدي نبينّا في نشر المودة والرحمة بين الجميع.
ليكن عيدنا هذا بداية لترميم كل العلاقات؛ صلةً للأرحام، وبراً بالكبار، ووفاءً للمعلمين، وتصالحاً مع الجيران، فالحروف الصادقة التي تصلهم اليوم هي أغلى وأبقى من كل متاع الدنيا، وبها تكتمل فرحة العيد وتزهر الأرواح.
وكل عام وأنتم بخير، وتقبل الله طاعتكم.