في عصر التقنية الحديثة والتكنولوجيا التي أسقطت حواجز التعتيم والتزوير الممنهج، غدا التسويق الكاذب والترويج لسلطة الكهنوت بضاعة كاسدة لا يمكن أن تتماشى مع القرن الحادي والعشرين، ففي هذا العصر الذي يتسم بالذكاء الاصطناعي والثورة الرقمية والذكاء المعرفي، بات اليمنيون مطلعين ومنفتحين على العالم، ويعرفون تاريخهم بشكل جيد، ولديهم من الوعي ما يتيح لهم التمييز بدقة ومعرفة ما هي الدولة الحقيقية التي تبني وتؤسس للتطور، وما هي العصابة التي تهدم ولا تبني وتقتات على الأزمات والمغالطات التاريخية. ومن أبرز تلك المغالطات الكبرى التي تتردد في السردية السياسية المعاصرة ليمننا، زعم الآلة الدعائية للسلالة المحاربة بأن اليمن خضع لحكم الإمامة الزيدية لأكثر من أحد عشر قرناً، وتحديداً منذ عام 897 ميلادية وحتى قيام الجمهورية عام 1962 ميلادية، وهي هندسة أيديولوجية متعمدة تهدف لإضفاء مشروعية تاريخية وعراقة زائفة على سلطة كهنوتية، وتصوير الشعب اليمني وكأنه عاش في إذعان مستدام لهذا المشروع العنصري، بينما القراءة الفاحصة للخط الزمني تمنحنا حقيقة مغايرة تماماً، وهي أن تاريخ اليمن هو تاريخ الدولة الوطنية والمقاومة، أما الإمامة فلم تكن سوى عارض تاريخي متقطع وظل دموي يتحرك في أوقات الفراغ السياسي. إن الحقيقة التاريخية تؤكد أن الألف عام التي يتبجح بها أدعياء السلالة اليوم هي عمر الادعاء الوهمي بالحق في الحكم وليست عمر الحكم الفعلي، فالإمامة الزيدية كمشروع مذهبي وسياسي لم تحكم اليمن فعلياً إلا في فترات متقطعة وقصيرة، وضمن نطاق جغرافي ضيق انحصر غالباً في جيوب المرتفعات الشمالية كصعدة وبعض التحصينات الجبلية، وطوال تلك القرون الأحد عشر كان الجزء الأكبر من جغرافيا اليمن وثقله الديموغرافي والاقتصادي يقع تحت إدارة دول يمنية وطنية خالصة شهدت تعاقب دول أصلية بنت إدارة وعمراناً وامتد نفوذ بعضها من مكة شمالاً إلى ظفار شرقاً، بدءاً من الدولة الزيادية واليعفرية إلى الدولة الصليحية والنجاحية، وصولاً إلى العصر الذهبي لليمن تحت حكم الدولة الرسولية التي استمرت لقرنين وثلث من الازدهار العلمي والتجاري والمعماري، ثم الدولة الطاهرية والسلاطين في الجنوب، تخللتها فترات من النفوذ الخارجي كالعثمانيين والبريطانيين، وهذه الدول الوطنية هي التي مثّلت الدولة المفهومة بمفهومها الحضاري حيث التجارة المفتوحة، والتعددية الفكرية، وتدوين العلوم، وتشييد الحواضر المدنية. وهنا يبرز الفارق الجوهري بين منطق الدولة الوطنية ومنطق التمرد السلالي؛ فالدول الوطنية تنبثق من حاجة المجتمع وتؤسس للاستقرار وتبني مؤسسات وتراكم الثروة والمعرفة ثم تنتهي وتتحلل وفق المجرى الطبيعي للتاريخ، بينما مشروع الإمامة لم يكن يملك يوماً أدوات بناء الدولة المستدامة بل كان يتحرك كآلية انقضاض يتربص في معاقله القروية بجبال شهارة أو حيدان أو الأهنوم بانتظار لحظات ضعف الدولة الوطنية ليعيث في الأرض هدمًا، وحين يستولي على السلطة يفشل بنيوياً في الإدارة والاقتصاد فتنهار سلطته سريعا ليعود إلى العتمة مستنداً إلى خرافات الحق الإلهي والبطنين منتظراً الدورة التالية من الفوضى، ولذلك كانت الإمامة بمثابة معول هدم تاريخي منع اليمن من تحقيق التراكم الحضاري، فكلما قطعت الحواضر اليمنية شوطاً نحو المدنية والتطور انقضت هذه الميليشيا الجبلية لتعيد تصفير العداد وتدمير البنى التحتية والاقتصادية. وإذا كان هذا التزوير قد مرّ بسلاسة في الحقبات السابقة نتيجة العزلة والتجهيل، فإن ما يشهده اليمن اليوم في نسخته المعاصرة من هدم لمؤسسات الدولة وتجريف للهوية الوطنية وإشاعة للفقر والجهل يثبت أن هذا المشروع ليس دولة ولن يكون، بل هو النقيض التام لمفهوم الدولة والاستقرار والمدنية، ولو استتب الحكم الفعلي للإمامة في اليمن لسبعة عقود متصلة فقط لكانت هذه الهوية الحضارية الضاربة في عمق التاريخ قد تلاشت ولكان الكيان البشري اليمني قد تحول إلى مجرد مجتمع معزول وفقير فكرياً ومادياً، لكن المقاومة الشعبية المستمرة وحيوية الدول الوطنية اليمنية هي التي أبقت اليمن حياً ونابضاً بالرفض في وجه الكهنة في كل عصر. وهنا يبرز السؤال الجوهري والمصيري في ختام هذه القراءة: هل النخبة اليمنية التي تمثل رجالات الدولة اليوم، والذين صعدوا عبر قنوات الهوية الوطنية، مستوعبون حقاً لهذه الحقائق التاريخية؟ وهل يدركون بعمق حجم الخطر الكامن في مشاريع الخلايا المتخفية والمستترين الذين يتربصون في الظلام، وينتظرون سانحة الضعف للاستدارة والانقضاض على جسد الدولة؟ إن التحدي الأكبر لا يكمن فقط في جبهات المواجهة الظاهرة، بل في أولئك الذين يتسللون بنعومة ونفاق داخل مفاصل ومؤسسات الدولة الشرعية بهدف إنهاكها من الداخل وتفريغها من مضمونها، تمهيداً لتمكين مشروع الإمامة من الانقضاض عليها مجدداً؛ فهل تملك هذه النخبة اليوم مشروعاً وطنياً حقيقياً ومضاداً، قادراً على كشف هذا التسلل وحماية كينونة الدولة وحضارتها من دورة هدم جديدة؟