حذر تقرير حديث صادر عن خدمة الأبحاث في الكونغرس الأمريكي من أن النزاع في اليمن لا يزال مفتوحاً على احتمالات التصعيد الإقليمي والدولي، في ظل استمرار هجمات الحوثيين في البحر الأحمر، وتزايد المخاطر المرتبطة بأمن الملاحة الدولية، وتنامي النفوذ الإيراني، إلى جانب تعثر جهود التسوية السياسية وتفاقم الأزمة الإنسانية.
التقرير أعده الباحث المتخصص في شؤون الشرق الأوسط كريستوفر بلانشارد، بمشاركة الباحثة أبيغيل مارتن، لصالح الكونغرس الأمريكي بهدف تقديم تقييم شامل للوضع اليمني وتداعياته على المصالح الأمريكية والإقليمية.
وأوضح التقرير الذي ترجمه الموقع بوست أن اليمن الواقع على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم عند مضيق باب المندب، لا يزال يعيش تداعيات حرب مستمرة منذ عام 2015 بين جماعة الحوثيين المدعومة من إيران والحكومة اليمنية المعترف بها دوليا، والقوى المناهضة للحوثيين، وسط تدخلات إقليمية ودولية معقدة.
وأشار التقرير إلى أن جذور الأزمة اليمنية تعود إلى عقود من الانقسامات السياسية والقبلية والصراعات بين شمال اليمن وجنوبه، إضافة إلى التنافس على السلطة والموارد والطاقة، موضحا أن الوحدة اليمنية عام 1990 لم تنهِ الانقسامات التاريخية، بينما ظلت الحركات الانفصالية الجنوبية والكيانات القبلية والفاعلون المحليون عناصر مؤثرة في المشهد اليمني حتى اليوم.
ووفق التقرير، فإن جماعة الحوثيين رفضت مخرجات المرحلة الانتقالية التي أعقبت احتجاجات الربيع العربي، قبل أن تسيطر على العاصمة صنعاء عام 2014 وتتوسع جنوباً نحو عدن، ما دفع الحكومة اليمنية إلى طلب تدخل عسكري بقيادة السعودية في مارس 2015.
وبيّن التقرير أن الحرب اليمنية تحولت تدريجيا إلى ساحة صراع إقليمي، مع تصاعد الدعم الإيراني للحوثيين وتزايد تعقيد الهجمات العابرة للحدود، فيما قدمت الولايات المتحدة دعماً استخباراتيا ولوجستيا للتحالف بقيادة السعودية، قبل أن تقلص بعض أشكال الدعم العسكري لاحقاً نتيجة الضغوط المتعلقة بالخسائر المدنية.
كما استعرض التقرير الانقسامات داخل المعسكر المناهض للحوثيين، مشيرا إلى اندلاع مواجهات عام 2019 بين الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية والمجلس الانتقالي الجنوبي المدعوم من الإمارات، قبل التوصل إلى اتفاق لتقاسم السلطة عام 2020، ثم تشكيل مجلس القيادة الرئاسي عام 2022 لقيادة الحكومة المعترف بها دولياً.
وأكد التقرير أن الهدنة التي دخلت حيز التنفيذ عام 2022 ساهمت في خفض مستوى العمليات العسكرية مقارنة بالسنوات السابقة، لكنها لم تؤد إلى تسوية سياسية شاملة، فيما لا تزال خطوط التماس شبه مجمدة، مع استمرار التوترات والاستعدادات العسكرية على عدة جبهات.
وتحدث التقرير بإسهاب عن التحول الذي أحدثته هجمات الحوثيين في البحر الأحمر منذ أكتوبر 2023، عقب اندلاع الحرب في غزة، مشيراً إلى أن الجماعة بدأت باستهداف السفن التجارية والملاحة الدولية في مضيق باب المندب والبحر الأحمر، إضافة إلى إطلاق صواريخ وطائرات مسيرة باتجاه إسرائيل.
وأوضح أن البحرية الأمريكية تمكنت في البداية من اعتراض المقذوفات الحوثية ومنع محاولات الاستيلاء على بعض السفن، قبل أن تطلق الولايات المتحدة في ديسمبر 2023 عملية حارس الازدهار بمشاركة تحالف دولي لحماية الملاحة في البحر الأحمر.
وأشار التقرير إلى أن الهجمات الحوثية رغم العمليات العسكرية الدولية أدت إلى اضطراب كبير في حركة التجارة العالمية، حيث اضطرت شركات شحن دولية إلى تحويل مسارات السفن بعيداً عن البحر الأحمر وقناة السويس، ما تسبب بارتفاع تكاليف النقل البحري وأسعار التأمين والشحن العالمي.
كما تناول التقرير الردود العسكرية الأمريكية، موضحاً أن الضربات الجوية الأمريكية والبريطانية ضد مواقع الحوثيين بدأت بعد تبني مجلس الأمن القرار 2722، واستهدفت مواقع إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة والبنية العسكرية للجماعة داخل اليمن.
وأكد التقرير أن المسؤولين العسكريين الأمريكيين يتهمون إيران بمواصلة تزويد الحوثيين بالأسلحة والمعلومات الاستخباراتية والدعم الفني، بما في ذلك تقنيات الاستهداف الخاصة بالهجمات البحرية والصاروخية.
وفي الملف الإنساني، وصف التقرير اليمن بأنه لا يزال يعيش واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، موضحاً أن الأمم المتحدة تقدر عدد المحتاجين للمساعدات الإنسانية بنحو 18.2 مليون شخص، فيما بلغ عدد النازحين داخلياً 4.5 مليون شخص، بينما يعاني 17.6 مليون يمني من انعدام الأمن الغذائي.
وأضاف أن اليمن يعتمد على استيراد أكثر من 90% من احتياجاته الغذائية، ما يجعل البلاد شديدة التأثر بالأزمات الدولية واضطرابات الملاحة البحرية، مشيراً إلى أن خطط الاستجابة الإنسانية للأمم المتحدة تعاني من نقص حاد في التمويل.
كما أشار التقرير إلى أن الأمم المتحدة كانت قد قدرت أواخر عام 2021 عدد الوفيات المرتبطة بالحرب بنحو 377 ألف شخص، معظمهم نتيجة أسباب غير مباشرة مثل الجوع ونقص الرعاية الصحية والمياه والخدمات الأساسية.
وفي جانب مكافحة الإرهاب، أوضح التقرير أن تنظيمي القاعدة في جزيرة العرب وداعش لا يزالان ينشطان في بعض المناطق اليمنية، رغم تراجع قدراتهما نسبيا، محذرا من أن الفراغ الأمني المستمر يوفر بيئة ملائمة لعودة التنظيمات المتشددة.
كما تناول التقرير الجدل داخل الولايات المتحدة بشأن كيفية التعامل مع الحوثيين، مشيراً إلى أن إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن أعادت تصنيف الجماعة كـمنظمة إرهابية عالمية مصنفة بشكل خاص، في وقت يطالب فيه بعض أعضاء الكونغرس بتصنيفها منظمة إرهابية أجنبية.
وأوضح التقرير أن الكونغرس الأمريكي يواصل مناقشة ملفات الدعم العسكري والتمويل المرتبط بالعمليات ضد الحوثيين، إضافة إلى الرقابة على الدعم الإيراني للجماعة وتداعيات الحرب على الأمن الإقليمي والمصالح الأمريكية.
وأشار معدو التقرير إلى أن الإدارة الأمريكية تحاول تجنب انزلاق اليمن والمنطقة إلى مواجهة أوسع قد تؤدي إلى انهيار جهود السلام وزيادة الكارثة الإنسانية، مع الاستمرار في حماية الملاحة الدولية واحتواء النفوذ الإيراني.