في ظل الأزمة الاقتصادية المتفاقمة التي تعيشها اليمن، اتجهت الحكومة اليمنية مؤخراً إلى تبني ما تصفه بـ "المعالجات الاقتصادية والمالية"، والتي تمثلت في تحرير الدولار الجمركي واعتماد نسبة 20% بدل غلاء معيشة للموظفين، باعتبارها خطوات تهدف إلى تعزيز الإيرادات العامة والتخفيف من الأعباء المعيشية. غير أن هذه الإجراءات، وفق القراءة الاقتصادية، تندرج ضمن إطار المعالجات التضخمية أكثر من كونها إصلاحات اقتصادية هيكلية قادرة على إحداث استقرار مستدام. إن قرار الحكومة اليمنية بتحرير الدولار الجمركي يعني عملياً رفع القيمة المعتمدة لاحتساب الرسوم الجمركية على الواردات، الأمر الذي يؤدي بصورة مباشرة إلى زيادة تكاليف الاستيراد. وبالنظر إلى اعتماد السوق اليمنية بشكل شبه كلي على السلع المستوردة، فإن هذه الزيادة ستنعكس سريعاً على أسعار المواد الغذائية والدوائية والسلع الاستهلاكية، إضافة إلى ارتفاع تكاليف النقل والخدمات والإنتاج المحلي المرتبط بالمواد الخام المستوردة. وبالتالي، فإن هذه المعالجات ستقود إلى موجة تضخمية جديدة تزيد من الضغوط المعيشية على المواطنين، خصوصاً في ظل تراجع مستويات الدخل وارتفاع معدلات الفقر والبطالة. كما أن ارتفاع الأسعار بهذا الشكل سيؤدي إلى مزيد من التآكل في القوة الشرائية للعملة الوطنية، ويضعف قدرة الأسر على تلبية احتياجاتها الأساسية. أما اعتماد نسبة 20% بدل غلاء معيشة، فرغم أهميته من الناحية الاجتماعية ومحاولة التخفيف الجزئي من تداعيات التضخم، إلا أنه يبقى إجراءً نقدياً محدود الأثر، لأن الزيادات الاسمية في الرواتب غالباً ما تتآكل سريعاً أمام الارتفاع المستمر للأسعار. وفي الاقتصادات الهشة، تتحول مثل هذه السياسات إلى جزء من دورة تضخمية متكررة، حيث ترتفع الأسعار فتزداد الرواتب، ثم تعود الأسعار للارتفاع مجدداً دون تحقيق تحسن فعلي في مستوى المعيشة. ومن زاوية المالية العامة، فإن هذه المعالجات الحكومية تعني أيضاً تضخم هيكل النفقات التشغيلية للدولة، وخاصة بند الأجور والمرتبات، في وقت تعاني فيه الموازنة العامة من ضعف الإيرادات وشح الموارد. وهو ما قد يؤدي إلى اتساع عجز الموازنة وزيادة الضغوط على السياسة النقدية وسعر صرف الريال اليمني، خصوصاً إذا جرى تمويل تلك النفقات عبر التوسع النقدي أو الاستدانة غير المغطاة بالإنتاج الحقيقي. وفي المقابل، فإن الإصلاحات الاقتصادية الحقيقية التي يحتاجها الاقتصاد اليمني لا تقتصر على رفع الرسوم أو تقديم زيادات نقدية مؤقتة، بل تبدأ من تبني سياسات تنموية وإنتاجية شاملة تستهدف تنمية الموارد المحلية وتعزيز القطاعات الإنتاجية، وفي مقدمتها الزراعة والثروة السمكية والصناعات الخفيفة، بما يسهم في تقليل الاعتماد على الاستيراد وتحقيق قدر من الاكتفاء الذاتي. كما أن تنشيط الصادرات اليمنية وتحسين تدفقات النقد الأجنبي يمثلان مدخلاً أساسياً لمعالجة عجز ميزان المدفوعات واستعادة التوازن في سوق الصرف. فاستقرار العملة الوطنية لا يتحقق عبر الإجراءات الإدارية المؤقتة، بل من خلال بناء اقتصاد حقيقي قادر على الإنتاج والتصدير وتوليد الإيرادات المستدامة. ومن الضروري أيضاً أن تركز الحكومة اليمنية على تحسين بيئة الاستثمار، وإصلاح المنظومة الضريبية والجمركية، ومكافحة الهدر والفساد، وتعزيز كفاءة الإنفاق العام، باعتبارها أدوات أكثر فاعلية في تحقيق الاستقرار الاقتصادي من السياسات التضخمية قصيرة الأجل. إن المعالجات الاقتصادية التي تعتمد على رفع الأسعار والرسوم دون توسيع قاعدة الإنتاج ستظل حلولاً مؤقتة تؤجل الأزمة ولا تعالج جذورها. فالإصلاح الحقيقي يبدأ من بناء اقتصاد منتج، واستعادة الثقة بالعملة الوطنية، وتحقيق استقرار الأسعار، بما يضمن حماية القوة الشرائية للمواطن وتحقيق نمو اقتصادي مستدام.