حذرت دراسة بحثية حديثة من أن الجماعات المتطرفة العنيفة باتت تستخدم قضايا البيئة وإدارة الموارد الطبيعية كأداة استراتيجية لتعزيز نفوذها وفرض نوع من الحوكمة البديلة، في اتجاه متصاعد قد يطال مناطق النزاع الهشة، وعلى رأسها اليمن.
ووفق تقرير نشره Global Network on Extremism and Technology وهي منصة بحثية دولية متخصصة في دراسة علاقة الإرهاب بالتكنولوجيا فإن هذه الجماعات لم تعد تكتفي باستخدام العنف التقليدي، بل طورت أساليب أكثر تعقيداً عبر إدارة الموارد البيئية مثل المياه والأراضي والزراعة، ما يمنحها شرعية محلية ويخلق اعتماداً متزايداً من السكان عليها.
يشير التقرير الذي ترجمه الموقع بوست إلى أن البيئات التي تعاني من ضعف الدولة وندرة الموارد – كما هو الحال في اليمن – توفر أرضية خصبة لتمدّد هذا النموذج، حيث تستغل الجماعات المتطرفة غياب مؤسسات الدولة لتقديم خدمات بديلة، مثل تسوية النزاعات على الموارد أو تنظيم الوصول إليها.
ويؤكد التحليل أن هذا النمط من الحوكمة البيئية يمكن أن يعزز ما يُعرف بـفخ الصراع، إذ يفضل السكان الاستقرار الذي توفره هذه الجماعات على غياب الخدمات الحكومية، ما يقلل من فرص استعادة الدولة لسيطرتها.
ولفت التقرير إلى أن الجماعات المتطرفة تستخدم المنصات الرقمية ووسائل التواصل لنشر قراراتها وتنظيم شؤون الموارد، ما يوسّع نطاق نفوذها ويمنحها قدرة أكبر على فرض الامتثال.
وقال إن جماعة الحوثي وجماعات أخرى حول العالم يعملون ضمن منظومة من التقنيات ذات الاستخدام المزدوج المتاحة تجاريا، تم تطويرها أصلا لأغراض مدنية أو تطويرية أو مراقبة بيئية، وتوفر صور الأقمار الصناعية، ومنصات رسم الخرائط الجغرافية المفتوحة المصدر، ومكونات الطائرات بدون طيار ذات التكلفة المنخفضة نسبيا، ما أدى إلى خفض حاجز الدخول أمام الجهات غير الحكومية التي تسعى لمراقبة الإنتاج الزراعي، وتتبع موارد المياه، وتقييم ظروف الأراضي أثناء الجفاف أو الفيضانات.
ويشير إلى أن التحقيقات مفتوحة المصدر وتحليلات مراقبة النزاعات إلى أن الجهات المسلحة غير الحكومية تعتمد بشكل متزايد على صور الأقمار الصناعية المتاحة تجاريا والبيانات البيئية المنتجة خارجيا لتوجيه الضرائب، وتحديد المواقع الإقليمية، و التحكم في الموارد.
وقال إن التحقيقات التي أجرتها منظمات مثل سيتزن لاب وريكوردد فيوتشر تشير إلى أن السلطات الحوثية استخدمت أدوات مراقبة الشبكة — بما في ذلك تقنيات فحص الحزم العميقة القادرة على مراقبة حركة الإنترنت ومنع استخدام الشبكات الافتراضية (VPN)، وتحديد المستخدمين المعارضين — وتقنيات تصفية يمكنها تقييد الاتصالات عبر الإنترنت ومراقبة حركة المرور الرقمية.
واعتبر أن هذه البنية التحتية الرقمية تمكن الحوثيين من تنظيم تدفقات المعلومات، وقمع السرديات المعارضة، وتعزيز المطالبات البيئية والأخلاقية للسلطة.
وأوضح أن هذه الجماعات تبني بنية شبه مؤسسية تجمع بين الإدارة والاتصال والقوة، حيث يتم تسجيل القرارات ونشرها علناً، ما يعزز حضورها كسلطة أمر واقع.
ويبرز التقرير أن استخدام البيئة كأداة للسيطرة لا يقتصر على إدارة الموارد، بل يمتد إلى التحكم في الأراضي الزراعية، وفرض قواعد على استخدام المياه، وإدارة النزاعات بين المجتمعات المحلية، ويرى أن هذه الأدوات تمنح الجماعات قدرة على ترسيخ نفوذ طويل الأمد يتجاوز العمل العسكري التقليدي.
وحذر التقرير من أن هذا النموذج قد يؤدي إلى ترسيخ وجود الجماعات المتطرفة في المناطق الهشة، ويجعل إزاحتها أكثر صعوبة، خاصة في ظل استمرار الأزمات الاقتصادية والبيئية.
كما أشار إلى أن التحولات المناخية وندرة الموارد قد تزيد من قابلية المجتمعات للانخراط في هذا النمط، إذا لم تتمكن الحكومات من تقديم بدائل فعالة.
ويشير إلى أن الصراع في مناطق مثل اليمن لم يعد يقتصر على المواجهة العسكرية، بل دخل مرحلة جديدة تتداخل فيها البيئة والاقتصاد والتكنولوجيا، حيث تستخدم الجماعات المتطرفة الإدارة البيئية”كوسيلة لبناء النفوذ والسيطرة.