ملكة سبأ بين الجدل التاريخي والتدوين الأسطوري.. دراسة تحليلية في ضوء النص القرآني (الحلقة الثانية)
- توفيق السامعي السبت, 06 مايو, 2023 - 07:45 مساءً
ملكة سبأ بين الجدل التاريخي والتدوين الأسطوري.. دراسة تحليلية في ضوء النص القرآني (الحلقة الثانية)

[ عرش بلقيس بمأرب ]

في سلسلة حلقات متتالية نوردها عن ملكة سبأ التي تسمى عند الإخباريين جزافاً بـ"الملكة بلقيس" سنحاول تقديم إحاطة شاملة بقصتها والجدل الذي يثار بين فترة وأخرى عنها وعن مملكتها في ضوء تحليل قصتها الواردة في سورة النمل من القرآن الكريم مقارنة بمصادر تاريخية أخرى.

 

موطن مملكة سبأ

 

سبأ مثلها مثل ملكة سبأ غير معروف صاحب الإسم الأول للملك المؤسس في النقوش المسندية، ولم يرد له ذكر فيها مطلقاً حتى الآن، كما عرف مثلاً عن ذمار علي أو "يريم" التي ذكرتهما النقوش أو أشارت إليهما إشارات خفيفة، لكن سبأ التي سميت المملكة باسمه، وكذلك ملكة سبأ المذكورة في القرآن لم ترد أية إشارة مسندية لاسمهما ونسبهما وسلسلة قبيلتهما لزمن نهائي جازم لظهور هذا الإسم حتى هذا الوقت، وقد يتم الكشف مستقبلاً عن أسماء ونسب وهوية هذين العلمين.

 

لكن لفظ وتسمية "سبأ" يرد كثيراً في النقوش اليمنية كمملكة ومكان، في سياقات مختلفة، أو نسبة ملوك وأعلام إليها.

 

ولنقف قليلاً عند معنى (سبأ) في اللغة..

 

ففي لسان العرب ورد للفظ (سبأ) تعريفات متعددة منها ما يزال مستعملاً في بعض لهجات اليمن إلى اليوم.

 

فسبأ جِلده سبأً: أحرقه، وقيل سلخه. وانسبأ هو، وسبأته بالنار سبأً: إذا أحرقته بها( ).

 

وفي اللهجة المعافرية: سبأ جلده قطعه ووخزه، وسُبْأة وسَبَأ: قطع شيئاً يسيراً بغرض التلقيح، و"مَسْبأة": غرزة اللقاح في الجلد. وقد كان قديماً يسمون العلامة من قطع الجلد للتلقيح (سُبْأة).

 

وأسبأ لأمر الله: أخبت. وأسبأ على الشيء: خبت له.

 

وفي بعض لهجات اليمن (المعافر وإب) "سبأ": استنبت زرعة، واستزرع زرعاً منقولاً، ويسمى المزروع المنقول (سَبأة وسَبُؤة)، والسابئ: الزارع لها. وسَبُؤة أيضاً: سنبلة وجمعها (سَبُؤات)، وهي الزرعة المنقولة من غير بذور الحبوب. وتكثر الأماكن في اليمن التي تسمى (السبؤة/السبأة). و"مَسْبأة": غرزة الزرعة، وغرزة اللقاح.

 

و"سُبَا/ سُبَى": القطران المختلط بالماء أو ما تسمى محلياً "المَيْعا". ولم يرد أي تعريف لغوي للفظ سبأ في النقوش المسندية.

 

وسبأ: إسم رجل يجمع عامة قبائل اليمن، يصرف على إرادة الحي، ويترك صرفه على إرادة القبيلة. وفي التنزيل: ﴿لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ﴾ ( ). وكان أبو عمر يقرأ لسبأَ [بالفتح وعدم التصريف ولا يجرها]. قال:

 

من سبأَ الحاضرين مارب إذ        يبنون من دون سيلِها العَرِما( )

 

و"سبأ" كما في بعض الأحاديث المروية عن الرسول صلى الله عليه وسلم، وفيها الضعيف والحسن والسند الجيد، ولم يرد منها ما درجته صحيحة، كما هي عند ابن كثير في تفسيره آيات سورة سبأ، وعن اسم سبأ ما هو؟

 

ومنها قال الإمام أحمد – رحمه الله – قال: حدثنا أبو عبدالرحمن، حدثنا ابن لهيعة، عن عبدالله بن هبيرة، عن عبدالرحمن بن وعلة قال: سمعت ابن عباس يقول: إن رجلاً سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن سبأ: ما هو؟ رجل أم امرأة أم أرض؟ قال: "بل هو رجل ولد عشرة، فسكن اليمن منهم ستة، وبالشام منهم أربعة؛ فأما اليمانيون: فمذحج، وكندة، والأزد، والأشعريون، وأنمار، وحمير. وأما الشام فلخم، وجذام، وعاملة، وغسان"( ).

 

ومن خلال التحليل لواقع الدولة السبئية الأولى ومجيئها بعد عاد إرم وثمود، وكلها في منطقة واحدة من الجزيرة العربية؛ وكلاهما شرق اليمن على الرغم من أن هناك مناطق وأودية وأراض خصبة في وسط وغرب اليمن ومياه كثيرة أكثر من تلك التي في شرقها، فإننا نذهب إلى القول بأن قبائل سبأ هي القبائل المستنبتة من القوم الذين نجاهم الله من الهلاك من عاد وثمود حتى صاروا دولة بعد تلكما الحضارتين في مكان واحد، ولكن بعد قرون، بدليل عمدان مارب التي جاء ذكرها في القرآن الكريم في سياق قصة عاد ﴿إرم ذات العماد﴾؛ إذ لا يوجد في الجزيرة العربية كلها أعمدة غير تلك الموجودة في معابد مارب السبئية، وكذلك قربهما من بعضهما في جنوب الجزيرة.

 

صحيح أن هناك الكثير من النقوش اليمنية في مناطق سبأ ربما تفوق بقية مناطق اليمن، لكن هذا الأمر يفسره المركز، كونها مركز الدولة والحضارة، غير أننا نرجح وجود نقوش وسط اليمن ربما تكون أقدم عمراً، وهذا ما نعمل عليه حالياً في اكتشاف الأقدم عمراً منها، وبين يدي عدد من النقوش لدراستها سنبين نتائجها لاحقاً. هذا الاستنتاج يقودنا إلى أن بداية ظهور الأبجدية في اليمن ربما يكون من تلك المناطق الغربية والوسطى وليس الشرق.

 

أما إذا صدقت التوقعات بأن سبأ وريثة لعاد فإن الخط والأبجدية بدأت في الشرق فعلا، وعملت الدولة السبئية على تطويرها.

 

قد يكون الاختلاف الزمني بعيداً بين مصائر عاد وثمود ونهوض سبأ، ولا دليل قطعياً على ذلك؛ لكن ذلك النهوض كدولة وحضارة وليس كشعب، مما يعني أن استنبات الأمم يتطلب مئات السنين؛ بقايا أفراد [الذين نجوا من الهلاك]، ثم قبائل، ثم دولة صغيرة، ثم تأتي من بعد ذلك الدولة والحضارة التي تضرب أطنابها في البلاد. ودليل آخر وهو أن سبأ لم يعرف بداياتها حتى الآن كون الحفريات لم تتواصل وربما وصلت إلى أكثر مما وصل إليه الباحثون حتى الآن بأزمنة بعيدة.

 

ومن خلال تتبع الهجرات والتواجد السبئي اليمني في الحبشة سنجد أن هذا الاستعمال اللغوي ينطبق عليهم؛ وهو استنبات القبائل اليمنية هناك وتكوين مملكة جعزية.

 

ومن قال إن سبأ صفة لكونه أول من سبى السبي فهذا مستبعد؛ لأن السبي كان قائماً قبل ظهور هذا الملك إذا ما عرفنا تمدد الإمبراطوريات القديمة وقيامها بالقتل والسبي والحرق وغير ذلك. وقد كانت عملية السبي عند الأكاديين مثلاً تسمى "أسر" كما هو مستعمل في العربية الشمالية.

 

ففي اللغة الأكادية، التي تعتبر نصوصها أقدم النصوص حتى الآن، ورد اللفظ "أسيرو": أسير، و"أسيرتو": أسيرة( )، ولم يرد لفظ "سبي" مثلاً.

 

ورد ذكر "لفظ  sa-ba-a =sabuالواردة في نص سومري يعود إلى Aradnannar (باتيسي) (لجش)  ) Lagashتلو) معاصر آخر ملوك (أور) أي من رجال النصف الثاني من الألف الثالثة قبل المسيح تعني سبأ"( ). وبحسب هومل "فإن هذه النصوص في السومرية هي أقدم نصوص تاريخية تصل إلينا وفيها ذكر سبأ، ويكون السبئيون أول شعب عربي جنوبي يصل خبره إلينا، ونكون بذلك قد ارتقينا بسلالم تاريخهم إلى الألف الثالثة قبل الميلاد"( )، فالأبحاث حول هذه المعلومة ما زالت جارية، خاصة التأكد من اسم سبأ الذي ورد في هذا النقش كونه وجد في منطقة غير منطقة سبأ الأصلية.

 

هناك آراء لباحثين آخرين هما مونتوكومري وهومل  تعيد تاريخ السبئيين إلى 1200 ق.م و900 ق.م وأنهم هاجروا إلى اليمن من الشمال، لا تستحق مناقشتها لوجود أدلة حديثة لتاريخ 1400 ق.م، التي كشف عنها البروفيسور أليساندرو دي مجريت على قطع من الفخار وجد في مارب  في بيت قديم هناك في الطابق الأرضي المردوم بالرمال سمي البيت A)) كونه أقدم عمراً من أي معلم آخر حتى الآن، عمره 1350 عام قبل الميلاد( ) يعود للدولة السبئية.

 

بل هناك علماء أمريكيون أوضحوا أنهم وجدوا نقشاً في صعدة يعود تاريخه إلى 2400 ق.م وهو تاريخ موغل في القدم يعد قفزة تاريخية كبيرة ونوعية، لما ينتشر هذا الرأي بعد.

 

 وكذلك لأنها (الآراء القائلة بانتقال السبئيين من الشمال للجنوب) عكس كل الآراء في الهجرات التاريخية القائلة بأن الهجرة كانت من الجنوب إلى الشمال، أو من الجنوب إلى الغرب دائماً وليست العكس، فضلاً عن أن ملكة سبأ ذاتها كانت في القرن العاشر قبل الميلاد.

 

لم يعرف في التاريخ مملكة بهذا الإسم غير تلك المملكة التي تقع في جنوب الجزيرة العربية، وعرف تاريخها بالدولة السبئية أو مملكة سبأ، في أرض اليمن، عززها ما خلفته لنا تلك الدولة من شواهد وآثار ونقوش ومسميات وأحداث كلها تعتبر دلائل مادية حقيقية وغير مروية، وإن كان ما روي عنها في كتب التاريخ مأخوذ به ولكن كإخبار وليس كدلائل حقيقية دامغة، غير تلك الآثار والنقوش.


التعليقات