[ عيدروس الزبيدي ]
غادر رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزبيدي إلى جهة مجهولة، بعد أن كان مُقررًا أن يتوجه إلى الرياض للمشاركة في محادثات دعت إليها السعودية لاحتواء التصعيد في جنوب اليمن. تزامن ذلك مع قرارات صادرة عن مجلس القيادة الرئاسي شملت إسقاط عضوية الزبيدي، وإحالات للتحقيق والإيقاف طالت مسؤولين ووزراء وقيادات محسوبين على الانتقالي، في تطور يرفع مستوى المواجهة من خلاف داخل معسكر “الشرعية” إلى محاولة إعادة ضبط قواعد اللعبة في الجنوب، سياسيًا وأمنيًا.
جاءت هذه التطورات بعد أسابيع من تصعيد بدأ مطلع ديسمبر 2025 مع توسع قوات محسوبة على الانتقالي باتجاه حضرموت والمهرة. وبغضّ النظر عن الروايات التي قُدمت بوصفها مبررات “أمنية” تتعلق بالتهريب أو مكافحة الإرهاب، فإن تمدد الانتقالي شرقًا نقل الأزمة من نطاق الصراع المحلي في عدن ومحيطها إلى نطاق شديد الحساسية للأمن القومي السعودي. فحضرموت والمهرة ليستا مجرد محافظتين “جنوبيتين” في حسابات الرياض، بل مساحة حدودية واستراتيجية ترتبط بمنافذ على بحر العرب وباعتبارات مستقبلية لمسارات الطاقة والتجارة، وتُقرأ بوصفها جزءًا من البيئة الأمنية السعودية المباشرة.
خلال أيام، تحولت الاستجابة السعودية من ضغط سياسي إلى ردع عسكري وإعادة ضبط للمشهد. تبلورت ترتيبات انسحاب لقوات الانتقالي من الشرق وفق شروط تتصل بالسلاح الثقيل، ثم انتقلت المعركة إلى داخل مؤسسة الحكم نفسها عبر قرارات مجلس القيادة. وفي الموازاة، خرج الانتقالي من مساحة “التبرير الأمني” إلى مساحة الإعلان السياسي مع طرحه مسار “مرحلة انتقالية” لمدة 2 سنوات وصولًا إلى استفتاء، ما جعل الفصل بين الميدان ومشروع الانفصال أكثر صعوبة، ورفع كلفة استمرار المرحلة الرمادية التي ظل فيها الانتقالي شريكًا سياسيًا داخل الشرعية وقوة أمنية وعسكرية خارجها.
لفهم جوهر اللحظة، لا بد من استدعاء طبيعة المجلس الانتقالي منذ تأسيسه في 2017. فهو لم يكن مجرد إطار سياسي يرفع شعار “القضية الجنوبية”، بل بنية متعددة الطبقات: واجهة سياسية تتحدث باسم التمثيل واستعادة الدولة، وشبكة أمنية وعسكرية تتحكم بالأرض، وبنية مصالح وموارد تجعل السيطرة على المنافذ والمؤسسات جزءًا من معادلة النفوذ. بهذه الصيغة، استطاع الانتقالي أن يفرض حضورًا واسعًا في عدن ومحيطها، وأن يتغلغل في مفاصل الشرعية لا بوصفه حزبًا يفاوض من داخل النظام، بل بوصفه قوة تحمل السلاح وتملك القدرة على تعطيل القرار. وهنا تشكلت معادلة شديدة الكلفة على اليمن: الشرعية تُقدم الاعتراف الدولي والغطاء القانوني ورواتب الدولة، بينما تُدار القوة الفعلية على الأرض عبر تشكيلات لا تخضع لسلسلة قيادة وطنية موحدة. النتيجة دولة مجزأة الوظائف، تتآكل فيها السيادة لصالح الولاءات، ويتحول فيها الصراع السياسي إلى منافسة أمنية على المرافق والموارد، وتدفع الخدمات والاقتصاد والمجتمع ثمن ازدواج السلطة.
في المقابل، لم يكن رهان أبوظبي على الانتقالي رهانًا عابرًا. تراكم دعم متعدد الأشكال على مدى سنوات: تمويل وتسليح وتدريب وبناء شبكات نفوذ محلية، مع تسويق خارجي هدفه تثبيت صورة الانتقالي بوصفه “ممثل الجنوب” و“شريك الاستقرار”. غير أن هذا الاستثمار ظل مشروطًا بقاعدة حاكمة: أن تبقى اللعبة ضمن سقف يمكن للتحالف إدارته، وألا يتحول الانتقالي إلى أداة إقليمية لتغيير خرائط السيطرة في مناطق ذات حساسية سعودية مباشرة. وعندما جرى تجاوز هذا السقف في الشرق، بدا أن الرياض تعاملت مع التحرك بوصفه اختراقًا لبيئتها الأمنية أكثر من كونه مجرد صراع نفوذ بين مكونات يمنية.
ضمن هذا السياق، تُقرأ مغادرة الزبيدي إلى جهة مجهولة بوصفها عاملًا مرجحًا لتصلب سعودي ويمني رسمي في مواجهة الانتقالي. فحين يغادر رأس الكيان بعد أن كان مقررًا أن يجلس على طاولة حوار في الرياض، فإن ذلك قد يدفع الرياض والشرعية إلى المضي أبعد في خيار تفكيك الانتقالي ككيان مسلح داخل الشرعية، لا بالضرورة تفكيك القضية الجنوبية أو إنكار التمثيل الجنوبي. الفرق هنا جوهري: تفكيك بنية السلاح الموازي داخل الدولة، مع فتح المجال أمام تمثيلات جنوبية متعددة أقل تشنجًا، وأقرب إلى منطق الدولة، وأقل التصاقًا بالولاء الخارجي.
عمليًا، قد يترجم هذا المسار إلى سلسلة قرارات إضافية تطال قيادات عسكرية وسياسية في الانتقالي يُنظر إليها بوصفها أسهمت في الانقلاب على الشرعية أو في تعطيل مؤسساتها والسيطرة على مفاصلها. المنطق المتوقع لمثل هذه القرارات ليس فقط معاقبة أفراد، بل تجفيف القدرة على إعادة إنتاج الدولة الموازية داخل عدن وبقية المناطق المحررة، عبر إضعاف الشبكات التي تربط القوة المسلحة بالموارد وبالمؤسسات وبالقدرة على التعطيل. وفي حال اتسع هذا النهج، فإن طي صفحة الانتقالي قد لا تأتي بقرار واحد، بل عبر تفكيك تدريجي للبنية التي جعلته لاعبًا مسلحًا قادرًا على فرض شروطه.
وإذا حدث ذلك، فالمشهد الجنوبي لن يبقى ثابتًا. جنوب اليمن ليس كتلة واحدة، بل فسيفساء مناطق ومصالح ونخب محلية، وغالبًا ما تنتج لحظات التحول كيانات جديدة أو تعيد تنشيط كيانات قائمة بخطاب أقل حدّة، وأكثر التصاقًا بملفات الناس اليومية من خدمات وموارد وتمثيل، وأقل ارتباطًا بالاستقطابات الإقليمية. هنا قد يظهر اتجاه لصعود مكونات جنوبية تحاول تقديم نفسها بوصفها شريكًا في تسوية لا ذراعًا في صراع، وبمسافة أوضح عن الولاءات الخارجية.
وتزداد أهمية هذا التحول إذا قررت الرياض ترجمة الأزمة إلى مراجعة عملية لسياساتها في اليمن: الانتقال من إدارة التوازنات بين الكيانات المسلحة إلى تثبيت مركز الدولة في عدن وبقية المناطق المحررة، وسد الثغرات التي تسمح لأي نفوذ خارجي بتشغيل وكلاء قادرين على التعطيل. وفي هذا السياق، يصبح منع تكرار النموذج السوداني هدفًا عمليًا: لا شرعنة لقوة موازية تتوسع اقتصاديًا وأمنيًا حتى تتحول إلى دولة داخل الدولة، ثم تنفجر عند لحظة التصادم. من هنا، يصبح احتكار القوة شرطًا سياسيًا لمنع الانفجار، لا مجرد مطلب نظري: ضبط السلاح، وتجفيف اقتصاد المنافذ والجبايات، وتوحيد سلسلة القيادة، بحيث لا تعود عدن قابلة لأن تُدار بمنطق تعدد المراكز.
وتبعًا لمدى اندفاع الرياض في إعادة الترتيب، قد تمتد المراجعة إلى أعلى هرم السلطة نفسه. فإعادة تشكيل مجلس القيادة الرئاسي أو تقليص عدد أعضائه تبقى فرضية قائمة إذا ترسخت قناعة لدى السعودية بأن التعدد الحالي بات عبئًا على القرار التنفيذي وعلى الاستقرار في الجنوب، وأنه يُنتج مراكز “فيتو” تعطل الحسم وتعيد تدوير الأزمات. تقليص العدد، في هذه الحالة، سيكون محاولة لتقليل مصادر التعطيل أكثر من كونه تعديلًا شكليًا، لكنه سيظل خيارًا محفوفًا بحسابات التمثيل والتوازنات وإمكانات رد الفعل داخل الميدان.
مع ذلك، لا بد من التنبه إلى أن تفكيك كيان مسلح له امتدادات في الشارع وفي المؤسسات يحمل كلفة محتملة، وقد يفتح توترات في عدن وأبين ولحج إذا لم يُدار بمسار سياسي موازٍ. ولهذا تبدو دعوة الرياض إلى حوار جنوبي محاولة لتأمين الغطاء السياسي لأي إعادة ترتيب أمنية، ومنع تحويل التفكيك إلى فراغ أو فوضى. نجاح هذا الحوار يتوقف على تمثيل واسع لا يمنح أي طرف حق الاحتكار، وعلى ضمانات تربط السياسة بالخدمات والموارد والشفافية، وعلى خارطة طريق واقعية لضبط السلاح وتوحيد سلسلة القيادة، حتى لا يعود النموذج نفسه تحت اسم آخر.
الخلاصة أن اليمن يقف على عتبة فصل جديد: إمّا إعادة بناء الجنوب داخل الدولة عبر احتكار السلاح وتعدد التمثيل السياسي، وإما إعادة إنتاج دولة موازية بصيغ مختلفة. مغادرة الزبيدي إلى جهة مجهولة قد تسرّع مسار تفكيك الانتقالي ككيان مسلح، وتفتح الباب لقرارات تطال قيادات عسكرية وسياسية داخله، وقد تدفع نحو صعود كيانات جنوبية أخرى أقل ولاءً للخارج وأقل تشنجًا، بالتوازي مع تعزيز احتكار القوة للدولة، وربما الذهاب إلى إعادة ترتيب مجلس القيادة وتقليص عدد أعضائه. لكن نجاح هذا التحول سيظل مرهونًا بمعادلة صعبة: تفكيك السلاح الموازي دون تفجير الجنوب، وإعادة بناء السياسة دون السماح بعودة النموذج نفسه تحت اسم آخر.