[ ولي العهد السعودي محمد بن سلمان ]
تشير تحولات السياسة الخارجية للمملكة العربية السعودية في السنوات الأخيرة إلى ابتعاد واضح عن نهج التدخل العسكري المباشر في أزمات المنطقة، في إطار استراتيجية جديدة تقوم على تقليل الصراعات مع الجيران والتركيز على الاستقرار الإقليمي والتنمية الاقتصادية.
وبحسب تحليل نشرته مجلة New Lines Magazine، فإن الرياض تتبنى اليوم ما يمكن وصفه بسياسة “صفر صراعات” مع الدول المجاورة، بعد عقود من التحالفات المتغيرة والتدخلات الإقليمية التي لم تحقق الاستقرار المنشود في الشرق الأوسط.
يأتي هذا التحول بعد فترة شهدت فيها السعودية سياسة خارجية أكثر تدخلاً، خاصة خلال السنوات التي أعقبت الربيع العربي عندما سعت الرياض إلى مواجهة التغيرات السياسية في المنطقة والتصدي لنفوذ إيران وحلفائها.
لكن التطورات اللاحقة، بما في ذلك الأزمات الإقليمية وتكاليف الصراعات، دفعت القيادة السعودية إلى إعادة تقييم استراتيجيتها الخارجية والانتقال نحو نهج أكثر حذراً يركز على الدبلوماسية وتخفيف التوترات.
يشير التحليل إلى أن السياسة السعودية الجديدة تقوم على تقليل المواجهات المباشرة مع القوى الإقليمية ومحاولة تسوية النزاعات عبر الوساطة والحوار.
ويعكس هذا النهج تحولاً في أولويات المملكة، حيث باتت التنمية الاقتصادية ومشاريع التحول الداخلي، مثل رؤية السعودية 2030، تتطلب بيئة إقليمية أكثر استقراراً وأقل توتراً.
ورغم أن هذه السياسة تهدف إلى خفض التوترات في المنطقة، فإنها في الوقت نفسه خلقت خلافات مع بعض الشركاء الإقليميين التقليديين للسعودية، خاصة الإمارات وإسرائيل، اللتين ما زالتا تتبنيان سياسات أكثر تدخلاً في بعض الصراعات الإقليمية.
وفي اليمن قالت المجلة إن النفوذ السعودي جرى بنائه بشكل أقل من خلال التحالفات الرسمية وأكثر من خلال النفوذ الاقتصادي والمحسوبية.
وتشير إلى أن عدد العمال اليمنيين في السعودية نما بشكل كبير، وأصبحت التحويلات المالية ركيزة أساسية في اقتصاد اليمن، كما بنت الرياض علاقات داخل اليمن من خلال المخصصات والعلاقات مع الشخصيات القبلية والسياسية، مما خلق هيكلا من الاعتماد الذي وجد جنبا إلى جنب مع الدولة الرسمية.
وبحسب التحليل، فإن هذا التباين في السياسات الخارجية للسعودية أدى إلى بروز اختلافات في الرؤية بشأن قضايا إقليمية عدة، من بينها الأزمات في اليمن والسودان ومناطق أخرى في الشرق الأوسط.
في إطار هذه المقاربة الجديدة، اتجهت الرياض إلى إصلاح علاقاتها مع عدد من الخصوم السابقين، بما في ذلك تحسين العلاقات مع دول كانت تشهد توترات معها في السنوات الماضية.
ويرى محللون أن هذه الخطوات تعكس رغبة السعودية في لعب دور أكثر توازناً في المنطقة، من خلال الجمع بين النفوذ السياسي والدبلوماسي بدلاً من الاعتماد على القوة العسكرية وحدها.
ويرى التحليل أن السياسة السعودية الجديدة لا تعني انسحاباً كاملاً من القضايا الإقليمية، بل محاولة لإعادة صياغة دور المملكة بطريقة تقلل المخاطر وتزيد فرص الاستقرار.
وفي ظل التحولات الجيوسياسية المتسارعة في الشرق الأوسط، تبدو الرياض حريصة على تحقيق توازن بين الحفاظ على أمنها القومي وتجنب الانخراط في صراعات مكلفة قد تعيق خططها الاقتصادية والتنموية.
وتخلص الدراسة إلى أن الابتعاد عن التدخل العسكري المباشر يمثل تحولاً مهماً في الاستراتيجية السعودية، وقد يعيد تشكيل توازنات القوى في الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة، خاصة إذا استمرت المملكة في اتباع سياسة تقوم على تقليل الصراعات وتعزيز الدبلوماسية الإقليمية