اليوم نحن نعيش في عصر الحداثة والعالم الذي تحول إلى شاشة صغيرة تُرصد فيها تفاصيل حياتنا بضغطة زر، ولم تعد هذه الحداثة مجرد رفاهية، بل أصبحت مرآة تعكس قدرتنا على الجمع بين جذورنا الأصيلة ومتطلبات العصر الحديث. إن التحدي الأكبر في المغترب ليس في استخدام الأجهزة، بل في حماية قيمنا من العشوائية التي تشوه هويتنا أمام الآخرين. وتبدأ هذه المراجعة من أمانة الكلمة؛ فمن المحزن استغلال مواقع التواصل لتصوير مقاطع يُلقن فيها الأجانب كلمات بذيئة للمزاح، بدلاً من تعليمهم لغة القرآن وقيم السلام التي تحملها العروبة، متجاهلين التوجيه الرباني ((وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا)) وهدي النبي صلى الله عليه وسلم «مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ» فالحداثة تقتضي أن نكون سفراء لأخلاقنا لا أدوات لتشويهها. ويمتد هذا الاختبار إلى مناسباتنا الاجتماعية، حيث يظهر الصراع بين كرم الأصالة وعشوائية التبذير وهدر الطعام في الأعراس. وهنا يأتي دور الحداثة الواعية لتهذيب السلوك في دول متقدمة توفر حلولاً راقية، إذ يمكن استبدال طوابير البوفيه التقليدية التي قد تَمَسُّ كرامة الضيف، بأنظمة تقديم ذكية كالأحزمة المتحركة أو السير الدوار الذي يمرر الأطباق أمام الضيوف وهم جلوس بكل وقار، ليأخذ المرء حاجته دون إسراف، امتثالاً لقوله تعالى: ((وكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ)) فالرقي التنظيمي هو الشكر العملي للنعمة. وعلى صعيد السلوك العام، تبرز العشوائية في نقل ممارسات ضارة ومجرمة قانوناً—كـمضغ القات—إلى الفضاءات العامة والبثوث المباشرة، مبررين هذا الاستسلام للطباع السيئة بالمثل اليمني القديم: "ما نزل من السماء التقفته الأرض" وهو خطأ ومغالطة صريحة. والأغرب هو ممارسة البعض ضغوطاً على من لا يتعاطاه بشعار: "أنت لست يمنياً!"متناسين أن اليمن لم يعرف هذه النبتة عبر تاريخه وحضاراته، وإنما دخلت مع الأحباش، فاليمني الأصيل كان يمنياً قبل دخول آفتهم. وهنا تقع مسؤولية كبرى على الحكومة اليمنية التي عجزت عن تقديم برامج لمكافحة الآفة، بل إن بعض قادتها ومسؤوليها يمارسونها علناً، وتتمدد المسؤولية لوزارات المغتربين والثقافة لغياب دورها التوعوي. كما يتحمل العلماء عبء التحذير؛ حيث يستند البعض بأسف لآراء قلة من العلماء الذين يرون عدم تحريمها، في حين يجمع علماء الأمة على التحريم استناداً للقاعدة الفقهية: ((وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ)) لما تسببه من سرطانات قاتلة بفعل الكيماويات، وأضرار نفسية وأسرية، واقتصادية، فضلاً عن تضييع الصلوات والجمع بينها بسبب ساعات التخزين الطويلة. إن التناقض يصبح مؤلماً عند مقارنة الكرم اليمني الأصيل بالانطباع الكارثي الذي يتركه منظر المخزنين بأفواه ممتلئة في فوضى عارمة، حيث يستغرق كل منهم في ذهول وتفكير عميق غائباً في عالم آخر. إن هذا السلوك المشوه ينفق فيه المرء أموالاً طائلة في دول تجرمه والكاميرات ترصده، مما يهدد مستقبله القانوني حتى وإن حمل جنسية بلد الاغتراب. فالمغترب هنا—كاليمني الأمريكي مثلاً—يمثل بلدين؛ فلماذا يظهر أسوأ ما عنده؟ إن الواجب هو الابتعاد تماماً عن هذه الآفة، ومن ابتُلي فليستتر التزاماً بالسمت الحسن، فـكل أمتي معافى إلا المجاهرون، بدلاً من تشويه جالية كاملة أمام مجتمعات تحترم القانون. إن التوفيق بين الأصالة والحداثة يعني أن نعيش بقلب عربي يعتز بهويته، وعقل عالمي يحترم النظام والقانون. ونجاحنا في المهجر لا يُقاس بالمال, بل بالأثر الحضاري الذي يثبت للعالم أننا أبناء حضارة عريقة تتنفس الأصالة وتمارس الحداثة بوعي وانضباط، لنكون خير ممثلين لديننا وأوطاننا في كل زمان ومكان.